رمز إنساني
إن الخبر الرئيس في هذه الأيام الذي هَيْمَن على غيره من الأخبار من مشرق الشمس إلى مغربها، وشغل أكثر الناس نساء ورجالاً، كبارًا وأطفالاً، أحرارًا وأنذالاً، هو موت نيلسون مانديلا، الذي لا أصفه لا بالزعيم و لا بالرئيس، إذ ما أكثر “الزعماء” و ما أكثر “الرؤساء” حين تعدهم في هذه الأيام، و لكنهم “زعماء” و”رؤساء” تَايْوَانْ، كما يقول شعبنا عن كل رديء.
وأما مانديلا فهو كما قال شاعرنا العربي في وصفه لأحد الرجال:
لقد كان رَجُلا رجْلُهُ في الثّرى وهَامة هَامَته في الثّرَيّا
لقد نقش مانديلا اسمه بين رجال التاريخ الحقيقيين، الذين دخلوا بجهودهم إلى قلبه من أوسع أبوابه، و لم يكن مثل أولئك الذين أدخلهم غيرهم إلى هامش التاريخ، لا من أبوابه الصغرى و لكن من “مجاريه” القذرَة كالغش، و المكر، والتآمر… التي لا يقبل السير فيها إلا عديمو الذّمم، حقيرو الهمَمْ.
لم يكن مانديلا بدْعًا من المناضلين الذين دفعوا ثمناً باهظًا دفاعًا عن أوطانهم وذِيَادًا عن حياضهم، فالتاريخ مملوء بأسماء رجال جعلوا أجسادهم جسورا عبرت عليها شعوبهم من ظلام العبودية إلى شمس الحرية، فماتوا مقبلين غير مدبرين؛ ولكن مانديلا كان بدْعًا من هؤلاء المناضلين الذين خطت الأقدار في صحائفهم أن يصلوا إلى السلطة، فتحولوا من أبرار إلى فُجاّر، ومن أخيار إلى أشرار، و من “ملائكة” إلى شياطين، و من ضحايا إلى طغاة.
إنّ كثيرًا من الذين ثاروا من أجل الحرية، و ناضلوا في سبيل الكرامة البشرية ما إن اقتعدوا مقاعد السلطة حتى انقلبوا خَلْقًا آخر، فاسْتَدْبَروا تلك القيم الغالية، وتنكروا لتلك المثل العالية، ولم يترددوا في التنكيل حتى بأقرب من كانوا إلى جانبهم في ساعة العسرة، حيث ألقوا بهم و بغيرهم في غياهب السجون، و أذاقوهم من العذاب ما اعتُبرَ مقارنة به عذابُ المستعمرين “لَعب أطفال“.
وقد ذكر الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي في مذكراته (ج1) أنه خطرت في ذهنه فكرة الانتحار عندما كان في السجن، لا في سجن فرنسا، ولكن في سجن الجزائر، حتى يتخلص من ذلك العذاب الذي سلطه عليه إخوانه المناضلون الجزائريون، وهو عذاب لا قبل لبشر بتحمله.
لقد استطاع الرمز مانديلا أن يتغلب على شهوة الحكم، و أن ينتصر على أهواء السلطة، و على أطماع ذلك “الذباب البوليتيكي” من المحيطين به، المتزلفين إليه، نفاقا، حيث كانوا يودون و يعملون ليبقى مانديلا في الحكم عهدة ثانية أو أكثر ليحققوا مآرب خسيسة، و يحوزوا مكاسب رخيصة، و لكن مانديلا كان أكبر من شهواته، و أعظم من أطماعهم فما انتهت “عهدته الأولى” حتى عاد إلى صف شعبه لا يميز نفسه بشيء، و رجع و هو طاهر اليد، نظيف الذمة.. و تلك هي مأثرة مانديلا.. و تلك هي عظمته.. فتشبهوا – أيّها القومُ – بالرجال إن لم تكونوا مثلهم، و عند ذاك يسجلكم التاريخ الصادق لا المزيف في صحائفه.