روح المسؤولية تسقط في جبهة التحرير
كيف يستطيع حزب أن يحصد نصف المقاعد في البرلمان رغم أنه حصل على عشرة بالمئة من الأصوات فقط؟ هذا هو السر الحقيقي لانتخابات 10 ماي 2012 التاريخية، التي أعادت الجزائر إلى الوراء بينما كان العالم ينتظر قفزة إلى الأمام للتجاوب مع ما أفرزه “الربيع العربي”.
حقق حزب جبهة التحرير الوطني معجزة في انتخابات 10 ماي 2012. ولم تأت المعجزة من قوى سماوية ولا حتى من الأمين العام للحزب رغم أنه أصبح يشبه رئيس زاوية، إنما جاءت المعجزة من أناس وضعوا نظاما انتخابيا لم يكن أحد ينتظر نتائجه. وبينما كان القوم يتنافسون للوصول إلى البرلمان ويلهثون وراء المناصب، وبينما كان “الغاشي” يتابع المنافسة بعناية كبرى، كان آخرون يدبرون خيوط اللعبة التي فاجأت الجميع، بمن فيهم المستفيدون منها.
وحتى السيدة الأنيقة هيلاري كلينتون سقطت في الفخ، عبرت عن ارتياحها تجاه الانتخابات، وقالت إنها خطوة في طريق الإصلاحات. وأشارت وزيرة الخارجية الأمريكية بصفة خاصة إلى العدد الهائل للنساء في البرلمان، وقالت إن العملية الانتخابية سمحت للجزائريين بالتعبير عن إرادتهم. وأدلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بتصريح في نفس الاتجاه، بينما رحبت كل من فرنسا وبريطانيا والعزيزة قطر بالعملية الانتخابية.
وجاءت هذه المباركة الأمريكية لتعطي نكهة خاصة لفوز جبهة التحرير. ونتساءل: كيف تم ذلك؟ كيف حصلت المعجزة؟ وللجواب عن هذا السؤال، يجب أن نعود إلى الوراء، قبل سنة، لما كانت كل المؤشرات في البلاد تقترب من الأحمر، حيث كان الشارع في غليان، وكان الربيع العربي يهدد، وكانت العاصفة على الأبواب. واضطر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى الإعلان عن إصلاحات لعله يستطيع من خلالها أن يتحكم في الوضع.
وكانت أمام السلطة الجزائرية يومها تحديات يمكن أن نلخصها في أربع نقاط أساسية: كيف يمكن تنظيم انتخابات مقبولة شكلا، وكيف يمكن ضمان مشاركة تعطي حدا أدنى من المصداقية للعملية الانتخابية، وكيف يمكن أن ترتفع المشاركة دون أن تؤدي إلى تهديد النظام القائم، وكيف يمكن إقناع الأجانب لمباركة العملية الانتخابية؟ ويبدو لأول وهلة أنه من المستحيل تحقيق كل هذه الأهداف، لكن السلطة الجزائرية وجدت صيغة لتحقيقها، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حيث تجاوزت الأهداف المسطرة.
حصدت جبهة التحرير نصف المقاعد بعشرة بالمئة من الأصوات فقط. وهذا علم لم تدرسه السيدة هيلاري كلينتون… لكن هل يمكن تسيير شؤون أي بلد بعشرة بالمئة من الأصوات؟!
وقد جرت الانتخابات فعلا في جو مقبول عموما، رغم بعض الأحداث التي تم تسجيلها هنا وهناك. وقد عبر الملاحظون الأوربيون عن ارتياحهم للجو العام الذي ساد الانتخابات رغم بعض النقاط التي أثارت تحفظ الأحزاب والمراقبين. أما نسبة المشاركة، فقد ارتفعت دون أن تؤثر على النتائج، بل إنها أثرت على النتائج في الاتجاه الذي يخدم مصلحة السلطة. كيف ذلك؟ بفضل قاعدة الإقصاء تجاه القوائم التي لم تبلغ خمسة بالمئة من الناخبين.
ونذكر هنا ما حدث في ولاية عين الدفلى، حيث شجعت الإدارة ترشح عدد هائل من المواطنين، وبلغت القوائم خمسين قائمة. وكانت وزارة الداخلية قد شجعت تأسيس الأحزاب وصادقت على تأسيس ثلاثين حزبا في شهر واحد، وهي الوزارة التي لم تقبل أي حزب جديد لمدة اثنتي عشر سنة. وكان الهدف من ذلك هو ترشح أكبر عدد ممكن من القوائم، مع العلم أن كل قائمة جديدة تأتي حتما بعدد جديد من الناخبين، وكلما ارتفع عدد القوائم، يرتفع عدد الناخبين.
وفي نفس الوقت، من المفروض أن تحصل كل هذه القوائم على نسب ضعيفة، مما يؤدي حتما إلى إقصائها. أما الأحزاب القديمة مثل جبهة التحرير والأرندي وحمس، فإنها ستحصل في كل الأحوال على حد أدنى من الأصوات يسمح لها بتجاوز حاجز الخمسة بالمئة، مما يضمن لها الحصول على عدد من المقاعد. وهذا ما حصل فعلا في عين الدفلى مثلا حيث حصلت جبهة التحرير على عشرة بالمئة من الأصوات فقط، لكن بما أن هناك 47 قائمة تم إقصاؤها وإقصاء أكثر من 100 ألف صوت معها، فقد تقاسمت جبهة التحرير المقاعد مع قائمتين تمكنتا من تجاوز حاجز الخمسة بالمئة.
وفي نهاية المطاف، حصدت جبهة التحرير نصف المقاعد بعشرة بالمئة من الأصوات فقط. وهذا علم لم تدرسه السيدة هيلاري كلينتون… لكن هل يمكن تسيير شؤون أي بلد بعشرة بالمئة من الأصوات؟ هل يمكن لأصحاب مثل هذا الاحتيال أن يتولوا تسيير شؤون البلاد في مرحلة تتميز بضعف المؤسسات وانعدام أي بديل حقيقي؟!