سياسة التوريث في الجزائر
لم يعد ينقص بعض رؤساء الأحزاب عندنا سوى أن يطلقوا على أنفسهم أصحاب الجلالة أو أصحاب السمو، ليكتمل المشهد السياسي الضبابي الذي يجعل مجرد الأمل في غد أفضل أقرب إلى الكفر، فإذا كان بعض رؤساء الأحزاب قد أعمتهم مناصبهم الشكلية فاختصروا نساء الجزائر في زوجاتهم، ورجال الجزائر في أبنائهم وأصهارهم، فكيف سيكون الحال لو وصلوا إلى قيادة البلاد، وإذا كان بعض رؤساء الأحزاب قد اشترطوا على رؤساء القوائم دفع ملايين الدينارات لترؤس الترشيحات الانتخابية فإنهم بالتأكيد عندما يقودون البلاد سيضعون الوزارات والسفارات في المزاد العلني المالي كأن يمنحوا وزارة المالية لأغنى رجل في الجزائر، ووزارة الخارجية لمهاجر ثري يدفع بالعملة الصعبة، وفي الحالتين سندفن الكفاءة والنزاهة بمعاول العشائرية وتحت ركام من الأموال الوسخة، والأدهى والأمرّ أن الأحزاب التي ادعت الكِبر، والتي راحت تُنكّت على “شكارة” رئيس هذا الحزب، ومنح رئيس ذاك الحزب العِصمة لزوجته المصون هي نفسها من منحت لعشائرها المناصب السامية والامتيازات التي حوّلت بعض أبناء مسؤولينا إلى أصحاب سموّ لا يقلّون شأنا عن علاء وجمال مبارك، وبعض زوجات مسؤولينا إلى صاحبات سمو لا تقلّن شأنا عن ليلى طرابلسي أو أسماء الأسد، مما يعني أن الجزائري مُخيّر ما بين الموت على “صدر” النظام الحالي، أو فوق دفاتر “أشعار” من يزعمون أنهم المعارضة، أو أن يتحوّل إلى “البدون” الذي لا رأي له ولا إحساس، لا يمكنه أن يغيّر ما يشاهده من مهازل ومظالم لا بيده ولا بلسانه ولا حتى بأضعف الإيمان.
الذين خافوا من الربيع العربي العاصف، وتمنوا أن ندخله بأقل الأضرار بداية من العاشر من شهر ماي كانوا يسجّلون أسباب اندلاع الثورات من تونس إلى سوريا، ويحذرّون السلطة من أن تتمسك بأسباب سقوط بقية الأنظمة من ديكتاتورية ومحاباة وعشائرية، وتمنّوا أن تهبّ نسائم ربيع حقيقية تقودها أحزاب سياسية تقدّم البديل الذي يئد للأبد أسباب التخلف التي جعلت الجزائر علميا واقتصاديا وحتى أخلاقيا بسبب الفساد والرشوة في مراكز متدنية ومؤلمة عالميا.
لقد كان الشعب مهموما بسوء أداء مسؤولين على مدار عقود، مارسوا في حقه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت من أشكال التنكيل، وصار الآن مهموما بسوء أداء المعارضة التي هي بصدد ممارسة في حقه ما لا يخطر على بال أحد من أنواع التهميش، ولم يعد في وسعه سوى أن يوكّل أمره لخالقه.. و…فقط.
الشارع التونسي اشتكى من سلطة السيدة ليلى ومن آل الطرابلسي، والشارع المصري اشتكى من التصاق جسد مبارك في الكرسي واعتماده على أهل المال الذين لا يرحمون أحدا، والشارع الليبي اشتكى من تهوّر وغرور “ملك ملوك إفريقيا”، والشارع اليمني اشتكى من بلاهة رئيس آمن أن بمقدوره أن يحكم بلاده من السعودية أو من أمريكا، والشارع السوري يشتكي الآن من ديكتاتورية أسده واستعداده لأن يبيد كل طيور وأسماك بلده حتى يبقى ملكا للغابة، وكل هاته الممارسات من زوجة الرئيس إلى جبروت ملك الملوك إلى “شكارة” الأثرياء موجودة حاليا في التشكيلات السياسية الحاكمة والتي تزعم المعارضة معا.. يبقى التنبيه أن عبقرية السلطة هي التي مكّنت من رسم هاته الطلاسم التشكيلية التي قدمت منظرا بائسا أسوأ من السلطة نفسها.