سياسة الوجوه الطَلْقة خير
أظن أننا اليوم في حاجة إلى سياسة الوجوه الطَّلْقة لا الوجوه المُتَشَنِّجة الصَّلبة العَبوسة المُخيفة… في حاجة إلى سياسة غير مُتصلِّبة تحاول الوصول إلى خير الأمور، وخير الأمور أوسطها، القوة الصلبة اليوم لم تعد تَنفع لا في صُنع السياسات ولا في تنفيذها، فما بالك أن تَستبق المشكلات وتَمنع وقوعها، أما القوة اللّينة فهي التي في آخر المطاف ستكون لها الكلمة العليا.
ينبغي أن نتوقف عن التبشير بأن لا حل في بلادنا إلا بالعودة إلى الضرب بيدٍ من حديد وعلى الجميع، سواء فيما يتعلق بالمشكلات السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية.
مشكلاتنا ليس بالمستعصية في أي مستوى كان لكي تحتاج إلى مثل هذه القوة الصلبة، مشكلاتنا في حاجة فقط إلى مزيد من إعمال العقل واستبعاد كلُ مَن وما يرمز إلى الغباء أو البؤس، أو لا يعرف سوى لغة التهديد والوعيد.
لن نُحقِّق أيّ نتيجة سوى مزيدٍ من الخسارة إن اخترنا الطريق الخشِن المتصلِّب وابتعدنا عن الطّريق اللين، ذلك أن الأول يُمكن أن يسلكه حتى الأغبياء، أما الثاني فليس في متناول سوى الأذكياء.
ونحن اليوم في حاجة إلى سياسات ذكيَّة، لا إلى سياسات تبدو قوية وما هي كذلك.
أمامنا استحقاقاتٌ سياسية قادمة لنتوقف عن مقاربتها تلك المقاربة الأحادية الميِّتة التي تقول: هو طريقٌ واحد ومَن لم يسلكه عليه بالبقاء على الهامش.. نحن في حاجة إلى مشاركة الجميع لأجل فتح أفُق جديدة للبلاد، لا حاجة لنا إلى نسخ صورة أخرى من البرلمان الحالي أو الحكومة الحالية، بل نحن في حاجة إلى برلمان جديد بحق وإلى حكومة جديدة بحق تُعِدّ سياسات مُبتكَرة تتفادى أخطاء الماضي.
من السهل علينا أن نُبقي على الوضع القائم لسنوات أخرى بنفس الوسائل القديمة، وبنفس الوجوه السابقة العبوسة والغليظة الملامح والمهمومة باستمرار، ولكن علينا أن ألا نفعل، لأننا بحاجة حقا إلى وجوه جديدة، متفائلة، تنظر إلى المستقبل، غير مُثْقَلة بملفات فساد تُدينها أو فضائح هي منعكسة باستمرار على وجوهها ويراها الناس على ملامحها بلا عَناء.
وكم تزخر بلادنا بمَن يستطيعون إعطاء وجه جديد للسياسة والاقتصاد والثقافة والمجتمع، فقط هي الوجوه العبوسة التي ترفض تمكينهم من ذلك، وتعمل على دفعهم لكي يكتسبوا خصائصها قبل أن تأذن لهم بالوصول.
أليس الأجدر بنا أن نقول الآن وغدا: لا لسياسة الوجوه العَبوسة، نعم لسياسات الوجوه الطَّلْقة التي تَقبَل بالحلول الجماعية، والسياسات الوسطى، وترفض كل استخدام لكل ما هو خشن، مخيف، فما بالك إذا كان عبوسا قمطريرا… شره مستطيرا؟!