شدة وتزول
نعيش اليوم أزمة مالية بكل المقاييس، وتَعرف عُملتنا أدنى مستوى لها منذ عقود من الزمن، ونحن مضطرّون لتطبيق برنامج اقتصادي واجتماعي تقشفي، ومضطرون لإعداد مخطط استراتيجي بعيد المدى أكثر من مُحكَم لعلنا نتفادى الوصول إلى وضعيات توصف بالخطيرة على أمننا القومي… الخ.
يُفتَرَض أمام هذا الوضع أن نسعى للبحث عن أكبر قدر من الانسجام بين مُكوناتنا السياسية ومؤسساتنا المختلفة، وأن نعمل لإيجاد مزيد من التنسيق بين كل عناصر المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي بلا استثناء, يُفتَرض أن نتصرف بمنطق أننا جميعا نمر بشِدَّة، وينبغي لهذه الشِدَّة أن تزول وأن نتجاوزها بسلام من خلال التعامل بالعقل النيّر ذي البصيرة الثاقبة وبُعد النظر.. ويُفترض أكثر من ذلك اليوم: أن نفكر بمنطق حكومة الوحدة الوطنية، ومنطق البحث عن الاتفاق على الحد الأدنى المشترك، ومنطق أن بلدنا لا يبنيها طرف واحد أو جهة واحدة أو مجموعة أشخاص…
يُفترض أن تسود بيننا هذه الروح اليوم وغدا، وفي زمن الشدة قبل زمن الرخاء.
فما الذي يحدث اليوم ونحن نرى بعض القوم يتصرّفون بغباء عكس ما يقتضيه الحال وضد كل منطق يمكن أن يجمعنا؟
هل إلى هذه الدرجة لم نعد نستطيع أن نميّز بين ما ينفعنا وما يضرنا؟ هل إلى هذه الدرجة نسعى إلى الضرر بأنفسنا؟ هل إلى هذه الدرجة يدفع الجهل ببعضهم إلى التصرف بالطريقة غير المناسبة في الوقت غير المناسب؟
كل الأمم اليوم تسعى إلى تبني الخطاب الموحِد، الجامع، غير المفرق بين مكونات المجتمع، كل الدول ـ عدا الفاشلةـ تدرك أنها لا يمكن أن تستمر إذا لم تتبنّ سياسة توحيد الجبهة الداخلية وتنقيتها ورص صفوفها ضمن مشروع متفق عليه، قيادة منسجمة قادرة على استيعاب الخلافات والاستفادة من تنوع وجهات النظر بدل دفعها نحو الصدام والنزاع.. لماذا يتعالى عندنا الصوت الواحد الذي يُلغي الآخرين وكأنهم لا يركبون ذات القارب معه؟ لماذا نعتبر التنازل فيما ينفع نقصا والمكابرة فيما لا ينفع قوة وصمودا؟
لماذا نحسّ أن الغباء مازال له أكثر من مكان بيننا رغم كونه خطرا استراتيجيا واضحا على وجودنا؟
أليست هذه حالة غير ملائمة تماما لمرحلة الشدة التي نعيش؟ أليست حالة مناقضة تماما لتطلعنا أن تكون شِدَّةً عابرة وتمر بسلام؟
إن أملنا الأول اليوم أن نستبدل هذا الخطاب المتشنج غير الواعي بخطاب مُوحِّد يُمكِّننا بحق من أن نكون في مستوى التحديات الكبرى التي تواجهنا.. وما أكثرها إن عُدَّتْ…