شرف العملية الانتخابية
تغير محتوى الانتخابات التشريعية قليلا بعد قرار الأفافاس المشاركة فيها، لكنها لم تتحول إلى مسابقة سياسية تحدد مصير البلاد، تقتنع بها الطبقة السياسية ويؤمن الشعب بأهميتها. ورغم أن نظرة العديد من الجزائريين تحولت ولو جزئيا حول محتوى المنافسة لما لاحظوا أن حزبا عريقا مثل الأفافاس سيشارك فيها، إلا أن قرار جبهة القوى الاشتراكية لا يكفي لوحده ليلغي كل ما قيل عن منافسة مايو المقبل.
وكان الأفافاس يتردد منذ أشهر، محاولا اتخاذ أحسن قرار، أول القرار الأقل ضررا، في هذه المرحلة السياسية. وكان الأفافس يبحث عن قرار يحترم المبادئ الديمقراطية للحزب، دون أن يدفعه إلى المشاركة في لعبة قذرة. وحاول أن يضع في الميزان ما سيربح وتربح معه الجزائر من المشاركة أو عدمها، وما سيخسر في هذه الحالة أو تلك. وقد نظم الحزب نقاشا طويلا، شارك فيه المناضلون والمتعاطفون، وانتهى بقرار المشاركة.
وكان رئيس الحزب، حسين آيت أحمد، قد أشار إلى هذا الاتجاه في الرسالة التي بعثها إلى الندوة التي فصلت في الموضوع. ولم يكن قرار المشاركة مفاجئا نظرا للحجة التي تم تقديمها للدفاع عن المشاركة أو المقاطعة، على ان يثبت الحزب أن مشاركته لن تقتصر على السعي وراء اقتسام الغنيمة، وهو الرهان المطروح أمامه خلال المراحل القادمة عند تحضير القوائم ثم الحملة الانتخابية وطريقة تسيير مرحلة ما بعد الانتخابات.
وقبل الإعلان عن قرار الأفافاس بالمشاركة، كانت الانتخابات تظهر على أسوأ صورة، حيث كانت تبدو كأنها منافسة يتسارع من خلالها أشخاص لا دين ولا ملة لهم، يحاول بعضهم الوصول إلى البرلمان ومزاياه، والبعض الآخر للبقاء في هذا المركز الذي يحصل من خلاله على دخل عال. وكثر الكلام عن “الشكارة” والرشوة وشراء المقاعد، وعن شراء الأصوات من المواطنين، وعن تلك الأحزاب التي أصبحت تشكل متاجر لبيع قوائم المشاركة.
وسقط كل محتوى سياسي عن الانتخابات، حيث أصبح من العار الكلام عن قناعات وسياسة وإيدويلوجيا وفكر. وأصبح من الغرور الكلام عن مشروع سياسي وتصور للمستقبل بعدما أن ظهرت تلك القوائم التي بناها أصحابها على فكرة واحدة تتمثل في ضمان كرسي في البرلمان. واخترعت الجزائر انتخابات من نوع جديد، انتخابات فارغة من السياسة ومن النقاش الاقتصادي، مع مشاركة مهرجين دفعوا الناس إلى الهروب من السياسية.
أما الأحزاب، فقد ظهرت وكأنها تريد الانتحار، لما برزت على إحدى الصور الثلاث: أحزاب يتصارع فيها القوم من أجل البروز في القوائم للحصول على مقعد في البرلمان، مستعملين نفوذهم ومعارفهم لا نضالهم وبرامجهم وقناعاتهم، وأحزاب تبيع القوائم لأناس لا تعرف عنهم لا الكثير ولا القليل، وأحزاب تبحث عن مرشحين عن طريقة الإعلانات في الجرائد، وهي طريقة نادرة من اختراع جزائري محض.
وأمام هذا الواقع، اختار الأفافاس أصعب طريق لما قرر أن يشارك. ويفرض عليه خياره أن يقنع أولا أنه لم يدخل الانتخابات من أجل الحضور يوم اقتسام الغنيمة، وأنه لا يدخل في هذا المنطق إطلاقا، وأنه يرفض اللعب في هذا الميدان، وأنه لا ينتمي أبدا إلى هذا النموذج من السلوك السياسي. وبعد ذلك، يبقى الأصعب على الأفافاس، وهو أن يعطي محتوى سياسيا لمشاركته، حتى يتضح أنه يختلف عن الأحزاب الأخرى، وأن مشاركته لها أهداف سياسية تختلف جذريا عما تهدف إليه باقي الأحزاب.
وسيكون ذلك صعب جدا، حيث أنه سيكون شبه مستحيل أن يبرز أي خطاب سياسي وسط الضجيج الذي يثيره العدد الهائل من المترشحين. ورغم ذلك، على الأفافاس والمترشحين القلائل الذين يريدون الكلام عن السياسة، عليهم أن يفرضوا خطابا سياسيا من تنظيمات وشخصيا لها مصداقية، تكون المراجع الأساسية في الحملة الانتخابية. وهذا ما سيسمح للعملية الانتخابية أن تحافظ على حد أدنى من الشرف، مما يشير إلى أن على الأفافس اليوم أن يقوم بدور أساسي، وهو أن ينقذ شرف الجزائر خلال العملية الانتخابية، رغم أن أحد مسؤوليه قال إنه لا يريد أن يكلف حزبه أكثر من وسعه…