-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

شعبُنا لن يرحل!

بقلم: عمر صافي
  • 596
  • 0
شعبُنا لن يرحل!

استيقظ العالم العربي على تصريح خطير لرئيس أكبر دولة في العالم، مفاده أن فلسطينيي غزة يجب أن يُنقلوا إلى مصر والأردن، فغزة المدمّرة لم تعد قادرة على الحياة، وإزالة الأنقاض عنها والبدء في تعميرها يتطلب سنوات عجافا.

على متن طائرته الرئاسية التي نقلته إلى ولاية كاليفورنيا حيث أكلت النار آلاف الهكتارات وأحرقت آلاف البيوت وهجّرت عشرات الآلاف من السكان، راح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يفكّر ويتأمل عبر النافذة، بدا مهموماً وحزيناً، حدث ذلك بالرغم من الأبّهة التي أحاطت به وهو يتسلّم مفتاح البيت البيضاوي وسط حضور متميز وجمهور قدم من الشرق والغرب، ومباركة الرؤساء السابقين للولايات المتحدة الأمريكية بدءًا من كلينتون وبوش إلى أوباما وبايدن. كان يعلم أن ظهيرة ذلك اليوم الشتائي حارة كما أن الرياح مستمرة وعنفوان النار في تزايد، لم يتغير شيء في كاليفورنيا ولا في بلداتها وقراها، إرادة الرب فوق كل إرادة، راح ترامب يتمتم وهو يواسي نفسه ويمنّي نفسه الأماني. بدا وهجُ النار متدفّقاً كبركان منبعث من جزيرة صقلية وهو يقذف حممه الثائرة ورماده الكثيف. على بعد عشرات الكيلومترات، راح ترامب يلعن اللحظة التي أوصلته إلى الحكم وجزء من الولايات المتحدة الأمريكية يحترق، فجأة انهال بالسبّ والشتم على رئيس غادر منذ أيام عجز عن إنقاذ حريق بدا بسيطاً في دقائقه وساعاته الأولى، حريق صاحبه دخانٌ يتصاعد في كبرياء، يرفض النزول والصمت ولو لدقائق.

“الحياة مظلمة في غزة، لا مستقبل هناك”، قال ترامب في السماعة الثقيلة بين أصابعه وهو يخاطب العاهل الأردني “أرضُكم شاسعة وغزّة دُمِّرت عن آخرها”، تظاهر الرئيس الأمريكي بالحزن والاستياء وهو يلقي كلمات بدت جافة لا طعم لها. ظل العاهل الأردني يستمع، أجابه هذا الأخير بأناة وصبر وهو يختار مفرداته بدقة: “الفلسطينيون ظُلموا كثيراً، فلسطين للفلسطينيين والأردن للأردنيين”. لكن ترامب لم يكن يسمع…

في تلك الليلة، طلب الرئيس الأمريكي من مستشاريه أن ينقلوا الخريطة الضخمة لقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء وشرق نهر الأردن إلى غرفة النوم الرئاسية. تحت أنوار المصباح الرئاسي بالبيت البيضاوي سهر ترامب مع الخريطة، راح يخطّ سطراً هنا في شمال غزة ثمّ سطراً في وسطها وأخيراً سطراً في جنوبها، ربط كل سطر بسهم متجه نحو الشرق وتارة نحو الجنوب. شرق الأردن وشبه جزيرة سيناء الحاضنتان الجغرافيتان للفلسطينيين، هؤلاء، يجب عليهم مغادرة القطاع المدمَّر، قال في نفسه، بين الخطوط راح ترامب يرسم علامات مختلفة بألوان زرقاء لم يتضح بعد مضمونها ولا دلالتها.

الخرجات الترامبية، اسمٌ لعرض مسرحي حلم به ذات عام الرئيسُ الأمريكي، ليُضاف لإنجازاته ومشاريعه وهي كثيرة، بداية من عقاراته في مانهاتن وشيكاغو إلى كازينوهات أتلانتيك سيتي إلى جامعة ترامب إلى شركات أخرى بكندا والصين والإمارات وفرنسا والسعودية وبنما والبرازيل  وجورجيا ومصر والأرجنتين والمكسيك والكيان الصهيوني. خرجات فضفاضة وتصريحات مستفزة وقرارات يراها البعض جريئة، قناة بنما عليها أن تعود إلى مربعها الأول لتصبح تحت سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية كما كانت في زمن مضى، على كندا أن تصبح ولاية أمريكية لتعيش الرفاهية التي يأملها الكنديون بعيداً عن الغلاء وجشع إدارة الضرائب، “خليج المكسيك” اسمٌ لن يكون من اليوم فصاعداً، سيُستبدل باسم “خليج أمريكا”.

في تلك الليلة، لم يطلب ترمب خرائط شركاته ولا أسهمها ولا أرباحها، كان يفكّر في أمر آخر استولى على عقله وتفكيره.

“الحياة مظلمة في غزة، لا مستقبل هناك”، قال ترامب في السماعة الثقيلة بين أصابعه وهو يخاطب العاهل الأردني “أرضُكم شاسعة وغزّة دُمِّرت عن آخرها”، تظاهر الرئيس الأمريكي بالحزن والاستياء وهو يلقي كلمات بدت جافة لا طعم لها. ظل العاهل الأردني يستمع، أجابه هذا الأخير بأناة وصبر وهو يختار مفرداته بدقة: “الفلسطينيون ظُلموا كثيراً، فلسطين للفلسطينيين والأردن للأردنيين”. لكن ترامب لم يكن يسمع، شرب جرعة ويسكي ففقد الوعي وأضاع ما رآه على الخريطة كما أضاع أقلامه والألوان والعلامات التي رسمها عليها. لحظتها، كان ينام داخل طائرته الرئاسية والسماعة في حضنه وشخيره يُسمع من الجهة الأخرى للمكالمة الهاتفية.

لم يكن ترامب يحترم الملوك والرؤساء إلا إذا وجد فيهم ما يبحث عنه. اعتاد على استقبال زوّاره وعيناه مصوّبتان على ما يحمله القادم إليه، إنه شعور التاجر، لم يستطع ترامب أن يتخلص من هذا الشعور، حتى تركيبة حكومته لم تخلُ من هذا المظهر التجاري، إذ أنّ ما لا يقلّ عن أحد عشر مرشحاً لمناصب إستراتيجية مكانه الملياردير، أو لديهم أزواج مليارديرات، أو على مسافة قريبة من هذه العتبة.

في الصباح، ظهر وزير الخارجية الأردني صحبة المنسقة الأممية لعملية السلام في الشرق الأوسط. ذكّر الوزير الأردني على مسمع الحضور أن حل القضية الفلسطينية سيكون في فلسطين وتثبيت الفلسطينيين في أرضهم، ورفض التهجير، وهو ثابت لا يتغير. أعاد رئيس الديبلوماسية الأردنية ما قاله العاهل الأردني ليلاً للرئيس الأمريكي: “فلسطين للفلسطينيين والأردن للأردنيين”.

لاشك أن الموقف الأردني كان صدمة لترامب، كما أنّ الموقف المصري الذي تحدث عن خط أحمر، رآه المتابعون موقفاً ثابتاً يتماشى مع الموقف التاريخي لمصر، ليؤكد أنها ترفض تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم. لم تقف السلطة الفلسطينية صامتة تجاه مشروع ترامب معتبرة ذلك تجاوزاً للخطوط الحُمر، إذ أكّدت سلطة محمود عباس في بيان نقلته وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا” أنَّ “الشعب الفلسطيني لن يتخلى عن أرضه ومقدّساته، ولن نسمح بتكرار النكبات التي حلت بشعبنا في عامي 1948 و1967، وأن شعبنا لن يرحل”. ترامب في ورطة من أمره كما أن الكيان المجرم في ورطة أكبر، الفلسطينيون المكافحون لتحرير الأرض والمدافعون عن الشرف يصنعون مستقبلهم المشرّف بأيديهم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!