شيماء … حركّت مشاعر ألف مشترك في الفيسبوك، فهل ستحرك مشاعر المسؤولين؟
لا تزال الأخطاء الطبية في الجزائر، تحصد أرواح المرضى بالمئات، وفي أحسن الحالات، تستأصل أعضاء غير معنية بالاستئصال، وتعمي الأبصار وتخرس الألسن وتصم الآذان، وذلك أضعف الإيمان؟! هذا ما حدث مع شيماء ريحان ذات الـ 5 سنوات، حينما خضعت لعملية استئصال اللوزتين بمصلحة الأذن والأنف والحنجرة بسطيف منذ عام ونصف تقريبا، فغدت كدمية ليس فيها ما ينبض إلا قلب صغير، يستجير بمن ليس على قلوبهم أقفالها !
قضية الطفلة شيماء ريحان، تناولتها الكثير من الصحف الوطنية والعربية، والعديد من الفضائيات، استنادا إلى معلومات صرح بها والدها السيد حسان ريحان، والناشط الاجتماعي جمال الدين بوزيان، إلا أن “الشروق” زارت الطفلة شيماء في بيتها، الواقع في بلدية العلمة بولاية سطيف، وعاشت معها لحظات من الأسى وهي تتجرع مأساتها أمام أبوين مكلومين، وبالطبع من يسمع ليس كمن يرى ..
هل التهاب اللوزتين يؤدي إلى الإعاقة؟
صوت يشبه الأنين، ونظرات زائغة، ورأس يتدلى، هذا ما تبقى من شيماء ريحان، الريحانة الجميلة، الوردة التي كانت متفتحة قبل أن “يقطفها” أطباء “الأيادي الحمراء والضمائر السوداء” بمشارطهم المسمومة، نعم هذا ما تبقى منها، ترى لو تكلمت شيماء ماذا كانت ستقول؟! ولكن من حسن حظها أنها ولدت لأبوين واعيين ومثقفين، استطاعا أن يوصلا قضيتها إلى أبعد نقطة في العالم، ومازالا مصرين على استرجاع حق ابنتهما، فلن يضيع حق وراءه طالب، هكذا قالت أم شيماء في معرض حديثها عن “الجريمة” التي تعرضت لها ابنتها، وتضيف: “ذات ليلة، أصيبت ابنتي باختناق بسبب انتفاخ اللوزتين، فنقلناها على وجه السرعة إلى مصلحة الاستعجالات بالعلمة، وهناك تلقت الإسعافات الضرورية وعدنا بها إلى البيت، في الصباح بدت بحالة جيدة، ولكن في الليل تعرضت لاختناق شديد، حيث ازرّق وجهها وأخذناها للمرة الثانية إلى الاستعجالات، وفي هذه المرة تم توجيهنا إلى مصلحة الأنف والأذن والحنجرة بسطيف، لأن حالتها تتعلق بالتهاب اللوزتين، طلب منا الطبيب الذي شخّص حالتها، أن ننتظر يومين آخرين قبل أن يستأصل اللوزتين، لأنهما كانتا مصابتين بالتهاب شديد، والتزمنا بأوامره وتم تهيئة شيماء للعملية”.
شيماء قبل العملية : ” باسمك اللهم أموت وأحيا “
تواصل أم شيماء حديثها قائلة: “شعرت شيماء بالخوف ونحن نقوم بتهيئتها للعملية، وحتى أهدئ من روعها قلت لها: لاتخافي يا ابنتي، سيقومون بتنويمك فقط، فردت علي ببراءة: إذن علي أن أتلو دعاء النوم، وقالت: باسمك اللهم أموت وأحيا، وكأنها فوضت أمرها لله، وهي الطفلة الصغيرة التي تعلق قلبها بالمصحف الذي كانت تفتحه وتنظر فيه دون أن تعرف معانيه أو تقرأ حروفه، وبالأذان الذي ترخي له سمعها حتى ينتهي. أخذوها إلى غرفة العمليات، وبعد 20 دقيقة أعادوها إلى الغرفة، حيث كان هناك أطفال آخرون خضعوا لنفس العملية وغادروا المصلحة في الواحدة ظهرا، إلا ابنتي التي تعرضت إلى نزيف حاد على مستوى الأنف ونزيف من الفم والعينين !
قمت باستدعاء الطبيب، فقال لي أن النزيف في مثل هذه العمليات يعتبر طبيعيا، ولا حاجة للقلق، ولكنها استمرت في النزيف فناديت عليهم، فألقوا علي اللوم، قائلين أننا نحن الآباء نعطي لأطفالنا محلول “أسبجيك” الذي يصعب من عملية تخثر الدم، وفي الحقيقة لم أناولها هذا الدواء كما يزعمون، وأخذوها مرة أخرى إلى غرفة العمليات، واعترفوا بأنهم نسوا قطعة من لوزة الأنف التي تم استئصالها هي الأخرى، وأعيدت إلى الغرفة حينها بدأت تسأل بإلحاح عن موعد العودة إلى البيت، ولكنها هذه المرة بدأت تنزف من فمها وعينيها، هالني الأمر وقمت باستدعاء الطبيب فأسمعني “نفس الموشح”: “شئ طبيعي، لأننا أغلقنا قناة الأنف فصارت تنزف من عينيها وفمها”! ويبدو أن المكلف بتغيير أغطية الأسرّة تضايق من الدم الذي لوث غطاء شيماء فسحبه منها متذمرا وأعطاني غطاء قديما”.
وتواصل أم شيماء سرد ما حدث لابنتها “بدأ القلق ينتابني، ولم يقنعني تفسير الطبيب، سيما وأنها استمرت في النزيف رغم وجود الفتيل داخل أنفها، وهنا بدأت أسمع التبريرات التي لا تنطلي إلا على جهل، مرة قالوا لي إن صدرها مريض، ومرة قالوا لي إنها تفتقر إلى عوامل تخثر الدم، مع أنها لم تعاني في حياتها من هاته المشكلة، بدليل أنها سقطت على السرير قبل العملية وانغرست أسنانها في شفتها السفلى، ومع أن الجرح كان غائرا، إلا أن الدم توقف بسرعة، ثم إننا أجرينا لها فحصا شاملا وهي لاتزال رضيعة، وتبين أنها لا تعاني من أي مرض، ونتيجة التقرير الطبي مازلنا نحتفظ بها، ولكن يبدو أنهم نسوا أنني أجلس في الغرفة رفقة ابنتي حينما قال أحدهم للآخر “يبدو أننا أصبنا أحد القنوات”، واعترفوا أنها ضيّعت دما كثيرا، وأن جزءا كبيرا منه يكون قد تسرب إلى الرئتين، هذا ما قاله أحد الأطباء إلى زميله دون أن ينتبه إلى وجودي فنبهه قائلا بالفرنسية ” لا تتكلم أمام أمها ” !.
” ماهي فصيلة دمها ” !
“والغريب في الأمر ـ تقول أم الشيماء ـ أنهم كانوا يجهلون فصيلة دمها، فهل يعقل أن يجروا عملية جراحية لمريض دون أن يكونوا على اطلاع بفصيلة دمه؟!، وهل يعقل أن يسألوا أما، أعصابها مشدودة على طفلتها التي بين الحياة والموت عن فصيلة دمها؟! والأغرب من ذلك، أنهم كانوا لا يضيفون لها الدم إلا في الليل! وفي الوقت الذي بلغ فيه خوفي على ابنتي مبلغا كبيرا، كانوا يسألون عن وجه القرابة بيني وبين والدها، الذي كان حينها يعمل في حاسي مسعود حتى يوحون لي أن هذه التداعيات إنما هي ناجمة عن زواج الأقارب! وفي الوقت الذي كنت فيه في أشد القلق عليها، كنت أتلقى الاهانات والاستفزازات حتى تثور أعصابي وأدخل معهم في عراك الذي يكون حينها المبرر لطردي مع ابنتي من المستشفى، وبعد أسبوع توقف النزيف ولكن بعد ماذا؟ !
في العناية المركزة انقطع تنفسها 10 دقائق !
بتاريخ 07 فيفري 2007 نقلت شيماء إلى المستشفى الجامعي سعادنة عبد النور بسطيف، حيث أدخلت العناية المركزة، وهناك تم تكليف حارس بالمصلحة، بحراسة المرضى عبر شاشة موصولة بغرفة العناية المركزة، وفي الجهة المقابلة كان يشاهد برامج التلفزيون! دخلت شيماء في غيبوبة، وعلم والدها بعدها أن تنفسها انقطع لمدة 10 دقائق دون أن ينتبه إليها أحد، مع أن المصلحة تضم 60 طبيبا ! فقدت شيماء الحركة والبصر، وتم تبرير ذلك بأنها مازالت واقعة تحت تأثير التخدير، ثم لفقوا لها “تهمة” أنها طفلة متخلفة عقليا!
حينها بدأت الضغوط تتوالى على الأب بضرورة إخراجها من المستشفى بإلحاح شديد يشي بأنهم أرادوا التخلص من “ذنبها”، فرفض لأن ذلك يعني موتها، فكيف له أن يتكفل هو وزوجته بطفلة أصيبت بشلل رباعي؟ عاد الأب لزيارة ابنته في مصلحة “العناية المركزة”، فأخبرته عاملة النظافة التي يبدو أنها انتحلت صفة “طبيبة مساعدة”، أن ابنته نقلت إلى مصلحة الأمراض المعدية! استفسر السيد حسان ريحان عن ذلك، فقيل له أنه ليس هناك من يعتني بها في العناية المركزة، أما في مصلحة الأمراض المعدية تكون قريبة من الأطباء… وقريبة أيضا من الأمراض المعدية!
أسئلة دون أجوبة
حاول والد شيماء أن يحصل على تقرير مفصل حول حالة ابنته، ولكنهم اكتفوا بتسلميه كشفا حول وضعها الصحي في تلك الأيام فقط، ومن بين ما جاء في التقرير، أن المستشفى لا يملك عددا من الاختصاصات التي تحتاجها شيماء، وعليه، تم توجيهها إلى مركز إعادة التأهيل في بلدية رأس الماء في سيطف، حيث مكثت هناك 3 أشهر دون أن تتحسن، ويذكر، أن والد الطفلة بعث بالكشف الطبي إلى مستشفى بفرنسا، وآخر بانجلترا، ليقف على حالة ابنته الحقيقية، فرد عليه المستشفى الأول والثاني بعبارة واحدة: “الكشف ليس لديه أي قيمة علمية”.
هل ستنصف العدالة شيماء؟
بعد أن تأزمت الحالة الصحية لشيماء، رفع والدها دعوى قضائية ضد مصلحة الأنف والأذن والحنجرة بسطيف، وأسفر ذلك عن إغلاق المصلحة لمدة شهرين، ولكن الطبيب الذي ارتكب الخطأ، حسب السيد حسان، مازال يمارس عمله، ولدى اتصالنا به في مصلحة الأنف والحنجرة وجدناه غائبا. ومن جهة أخرى، تقدم الوالد بشكوى ضد مستشفى سعادنة عبد النور للتحقيق في الأسباب التي أدت إلى إعاقة ابنته، فهل ستنصف العدالة هذه الطفلة البريئة؟
هل ستتكفل الدولة بها؟
غادرنا بيت شيماء بعد ثلاث ساعات قضيناها معها، وقد تركنا أمها تطعمها وجبة الغداء، وهي عبارة عن سوائل كانت تبتلعها بصعوبة شديدة، وهي تصدر حشرجة تتقطع لها نياط القلوب، ويبدو الأمر أكثر صعوبة عندما تسقى بالماء مثلما أخبرتنا أمها، تركنا شيماء التي حركت مشاعر ألف مشترك في الفايسبوك من مختلف الجنسيات، ولكنها لم تحرك شعرة واحدة في رؤوس المسؤولين، تركنا عائلة ريحان، والأمل يحدوها في أن تتكفل الدولة بعلاجها في أحد المستشفيات المتخصصة في الخارج، لأنه ليس بمستطاع العائلة، وحتى تبرعات المواطنين الذين أبدوا تعاطفا شديدا معها، أن يتكفلوا بذلك، بسبب التكاليف الباهضة، فهل ستستجيب الدولة لهذا الطلب، على اعتبار أن شيماء تتمتع بكافة حقوق المواطنة كما قال والدها، أم تراها ستقضي ما تبقى من عمرها بين ظلمات ثلاث، ظلمة البصر، وظلمة الإعاقة، وظلمة الظلم الذي مورس في حقها؟!