-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عبقرية السنوار ورفاقه!

حسين لقرع
  • 753
  • 0
عبقرية السنوار ورفاقه!

خلال الحروب السابقة التي شنّها على غزة سنوات 2008 و2012 و2014 و2018 و2021، كان الاحتلال الصهيوني يكتفي بضربها بالطيران ويلحق بها دمارا كبيرا ويقتل مئات الفلسطينيين ويجرح الآلاف، وبعد أن يشفي غليله، يعلن الانتصار على المقاومة، ويوقف الحرب، ولم يحاول دخول غزة برّا إلا في حرب 2014، وكان توغّله محدودا واقتصر على حي الشجاعية، وسرعان ما انسحب منه بعد أن فقد 66 جنديا.

وخلال هذه الحروب، كانت المقاومة تقصف مستوطنات الاحتلال ومدنه بآلاف الصواريخ، لكنّها لم تكن تخلّف سوى بضعة قتلى وجرحى وبعض الدمار في المنشآت، وهو ما لم يكن يؤثّر في الاحتلال الذي واصل سياسات التهويد والاستيطان وتدنيس المسجد الأقصى، لا يلوي على شيء.

انتبهت المقاومة إلى هذه النقطة، وقرّرت استدراج العدوّ إلى حرب برّية واسعة لتثخن في جيشه وتلحق به هزيمة منكرة تنهي أسطورته وتضرب المشروع الصهيوني التطبيعي الإدماجي في المنطقة في الصميم، فخطّطت لغزوة 7 أكتوبر، وأعدّت لها ما استطاعت من قوّة، وفي مقدّمتها قذائف “الياسين 105″، وأكملت شقّ شبكة متشعّبة وحصينة من الأنفاق يبلغ طولها الإجمالي 570 كيلومتر، ويتراوح عمقها بين 30 و120 متر، هي أفضل ما بنته أيّ منظمة ثورية عبر التاريخ كلّه، فضلا عن تحضير نحو 30 ألف مقاتل وتدريبهم جيّدا على حرب العصابات والمدن.

بعد إكمال الاستعدادات، غزت المقاومة 11 موقعا عسكريا و22 مستوطنة بغلاف غزة يوم 7 أكتوبر 2023 وأثخنت في العدوّ ودمّرت فرقة غزة بأكملها وذهب جنودها بين قتيل وجريح وأسير وفارّ بجلده، ونجح الفخّ، وتصرّف العدوّ كالثور الهائج عقب الهزيمة المذلّة التي ضربت كبرياءه في الصميم وهو الذي تعوّد على سحق الجيوش العربية في بضعة أيام، فاستنفر قواته ودخل غزة يوم 27 أكتوبر ظنا منه بأنّه سيستطيع تحقيق “نصر مطلق” على المقاومة في بضعة أسابيع، لكنّها واجهته ببسالة منقطعة النظير وقتلت الآلاف من جنوده وأصابت عشرات الآلاف ودمّرت أزيد من 1800 من دبّاباته وآلياته العسكرية، ولا زالت تسومه سوء العذاب إلى اليوم، فأسقط في يده وبدأ الخور يدبّ بين جنوده وأخذ جنرالاته يعترفون ضمنيّا بالهزيمة وباستحالة القضاء على “حماس” وتحرير أسراهم بالقوّة.

خلال سنة كاملة، خاضت المقاومة معارك كثيرة نوعية مع العدوّ، وأثارت كمائنها وأساليب استدراجها للعدوّ وسبل قتالها إعجاب العالم أجمع، إذ عبّرت عن عبقرية فذّة يقف خلفها قادة كبار لم يلتحقوا يوما بأيّ أكاديمية عسكرية عالمية، وفي مقدّمتهم السنوار ومحمد الضيف ومروان عيسى وثلّة من رفاقهم، وفي كلّ مرة يعلن العدوّ القضاء عليها في هذه المنطقة أو تلك، ترمّم قدراتها بسرعة وتعيد تنظيم صفوفها وتعود بقوّة برغم اشتداد الحصار وعدم دخول السّلاح؛ فهي تصنّع جزءا هاما من أسلحتها وذخائرها وتستفيد حتّى من قذائف العدوّ التي لم تنفجر وتعيدها إليه على متن صواريخ “107”!

اليوم تنهي حرب غزة سنتها الأولى وتدخل الثانية، والمقاومة صامدة، لم تهن ولم تنكسر برغم تضرّر قدراتها، وبرغم المجازر المهولة والتدمير الواسع للقطاع والتجويع الممنهج للسكان، والدعم العسكري الأمريكي غير المحدود لجيش الاحتلال المجرم الفاشي الذي ظهرت حقيقته أمام العالم أجمع. لقد أعادت غزوة “طوفان الأقصى” المباركة في 7 أكتوبر 2023 القضية الفلسطينية إلى الواجهة العالمية مجدّدا بعد أن كادت موجة التطبيع والخيانة تجتاح المنطقة العربية برمّتها وتقضي عليها وتصفّيها لصالح الاحتلال وتدمجه في المنطقة على حسابها في ظلّ تواطؤ دولي مقيت، وأكثر من ذلك، توسّع لهيبها ليشمل الضفة ولبنان واليمن والعراق والجولان السوري المحتل وإيران التي شكّلت جبهات إسناد فاعلة تقوّي الروح المعنوية للمقاومة في غزة.

لا شكّ أنّ المقاومة تواجه عدوّا شرسا مدعوما أمريكيّا وغربيّا وحتى من العرب المتصهينين، وقد فقدت الآلاف من عناصرها وبعض كبار قادتها السياسيين وفي مقدّمتهم إسماعيل هنية وصالح العاروري، لكنّها بقيت صامدة مسيطرة على الأرض، ونجحت في جرّ العدوّ إلى معركة استنزاف متواصلة، وأثبتت تكيّفها مع الأحداث وقدرتها على ترميم قدراتها في كلّ مرة وتجنيد عناصر جديدة، لامتلاكها حاضنة شعبية واسعة تصرّ على الالتفاف حولها وإفشال مخطط تهجيرها إلى مصر برغم المجازر المتواصلة بحقّها، وهي نقطة قوّة كبيرة تجعل المقاومة قادرة على الاستمرار في مقارعة العدوّ سنوات عديدة في معركة تحرير طويلة وشاقّة؛ وهنا يجدر التذكير بأنّ التفاف الجزائريين حول الثورة التحريرية كان العامل الأول في صمودها وانتصارها على الاحتلال الفرنسي بعد 7 سنوات وأربعة أشهر من القتال غير المتكافئ.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!