-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
قصتي مع المرض

على إثر الصدمة… أياد ممدودة

الشروق أونلاين
  • 647
  • 0
على إثر الصدمة… أياد ممدودة
ح.م

التقينا بالصدفة.. كنا نستقل نفس الحافلة يوميا، ونتبادل الابتسامات والتحية، والحديث أحيانا.. كان هذا في سنة 2000، عندما عدت إلى مدينتي الجميلة سطيف، مدينة الهضاب العليا، أنظف مدينة على مستوى القطر الجزائري.

سطيف… ليست فقط مدينتي، بل هي الحضن الكبير الدافئ الذي احتواني منذ نعومة أظافري، هي المدينة التي تعلمت فيها الصمود والصبر والصلابة والجدية.. سطيف، هي التي علمتني أن أكون قوية، وهي التي استوعبت أحلامي وآهاتي وأفراحي وأحزاني أيضا.. سطيف، كانت هي نقطة الانطلاق.. هي نقطة البداية.

وأنا بالسيارة، وفي طريق العودة إلى البيت، كنت تائهة، ضائعة، لا أعرف أصلا من أنا الآن.. وما الذي يحدث معي، وعمَّ كان يتحدث الدكتور؟ هل أنا في حلم؟ أم كابوس؟ أم كل ما يدور من حولي وفي عقلي وقلبي الصغير، ليس سوى أضغاث أحلام… تحولت بقدرة قادر إلى حقيقة مرة، حقيقة صعبة، لم يتقبلها قلبي الصغير وعقلي الكبير الذي أحسسته في هذا اليوم قد توقف.. نعم توقف كليا، لأنني كنت أحس بالفراغ، باللاشيء..

كانت تعتريني الكثير الكثير من الأسئلة، ولم أجد أجوبة لها… ساد الهدوء في السيارة، ساد الحزن والخوف، نعم إنه الخوف من السرطان.. من الصامت القاتل.

أخذت هاتفي، واتصلت بها، لم يسأل زوجي الذي لم يقدر أن يخفي حزنه وخوفه علي، لأول مرة أراه هكذا، صامتا، مترددا، مرعوبا.. نعم، هي الكلمة، فلقد كنا كلانا مرعوبين.

المرض

كان زوجي يعرف أنني سأتصل بها، فهو يعرف مكانتها عندي، ويعرف أنني ألجأ إليها دائما، في الأفراح والأحزان، منذ أن التقيت بها مجددا، وبالصدفة كذلك هذه المرة عام 2007، أي بعد 7 سنوات في السفارة الجزائرية بأبو ظبي، يومها كنت متأكدة من أن وجهها ليس بالغريب علي، وهي كذلك كانت متأكدة من أنها تعرفني، وقبل أن تغادر المكان، قالت: أنا أعرفك، فقلت: وأنا كذلك.

ردت: أنا من سطيف. قلت: أنا كذلك سطايفية. ونقول معا: الحافلة رقم 07.. ونضحك ونتعانق ونتبادل أرقامنا.. ومن يومها لم نتفارق، ونحن صديقات وأخوات.

هي بالنسبة إلي مدينتي كلها، هي كما نقول عندنا من ريحة البلاد، وما أحلاها من ريحة تنبعث من قلبها المليء بالعطف والحنان، نعم اتصلت بصديقتي، كنت أريد أن تحتضنني عين الفوارة، أن تسمع الجبال الشامخة صراخي، وتسمع صداه إلى لجميع.

كنت أريد أن أتكلم بلغتي، أو بالأحرى بلهجتي، أن أسمع أحدا يتكلم نفس لهجتي، أحد يمثل بلدي، مدينتي وأهلي…

كأنني كنت أحدث جدتي الحبيبة من خلالها، أو أمي الحنونة المضحية، أو كأنني وصلت للتو إلى مدينتي الجميلة، وارتميت في أحضانها باكية… كأنني عدت إلى بيت طفولتي، وجلست إلى أكناف الجدران وسكت، نعم، كنت أريد أن أسكت عن الكلام المباح، وأن أصرخ وأبكي فقط لا غير.

صديقتي صعقت لسماع الخبر، وتألمت كثيرا، لكنها تداركت الموقف، وقالت: أنا هنا دجى، لا تخافي، أنا دائما معك، ولن أتركك أبدا… هي وعدت وأوفت بوعدها… وكانت حاضرة في رحلتي الوردية بأدق تفاصيلها.

كان يوم 23 فبراير 2015 يوما عصيبا وطويلا، طويلا جدا، لم يرد أن ينتهي، دخلت البيت وأنا أبكي، ضممت ابني إلى حضني، ودفعته مسرعة، كنت خائفة، ولا أريده أن يحتك بهذا الصدر المريض، اللعين، الخبيث، الذي قد يفتك بي ويبعدني عنه… وتداركت نفسي وضممت ابني أكثر وأكثر، وبكيت، ولم أقو على توقيف دموعي…

في هذا اليوم، استرجعت شريط حياتي كله، عشت كل اللحظات… بحلوها ومرها، كنت ضائعة، ولا أعرف ما أفعل، وماذا سيحل بي وبأسرتي، ظلت عبارة “ستتغير حياتك 360 درجة” عالقة في رأسي، وتذكرت الكثير من الأشخاص الذين عانوا من السرطان، كان أولهم أستاذة الموسيقى في ثانوية مليكة قايد بسطيف، مريان فوزية، التي توفيت وهي في ريعان شبابها، بسبب سرطان الثدي، واسترجعت مقابلات المذيعة فاديا الطويل التي عانت من نفس المرض، ومن العديد من أنواع السرطانات، بسمة وهبة، الصحفية المصرية، وحنان كمال، والكثير الكثير من الشخصيات المعروفة.. وكما قالت صديقتي نعيمة: يا دجى، حتى أنجولينا جولي، استأصلت ثدييها..فالموضوع عادي جدا، لا تخافي…

نعيمة، هي صديقة أيام الجامعة والحي الجامعي، هي العطاء والحب، وهي سيدة المواقف، نعيمة، تحتويك بحبها واهتمامها وبروحها المرحة الخفيفة، وبابتسامتها الجميلة… بضحكاتها وبخفة دمها، نعيمة، كانت رفيقة أيام وليالي الحي الجامعي، هي الأخرى كانت متفانية في حبها وصداقتها..

لطالما أحببت الأطفال، وحلمت بأن يرزقني الله بولد وبنت.. وخلافا لكثير من النساء، أفضل الأولاد على البنات، لم أحضر حالي أن أحمل بعد شهرين من زواجي، لكنني لم أفاجأ قط بعد سماعي الخبر، بل بالعكس، لم تسعني الفرحة وأنا أعمل اختبار الحمل الأول والثاني، الذي أحتفظ به إلى اليوم، وأعلم أنني حامل، دموع الفرحة انغمرت من عينيّ، وابتسمت أحلى ابتسامة في حياتي.. قد يغار والدك أن قرأ هذا، لكنك أنت الحب كله، يا قاسم، أنت قطعة مني، وأنت فلذة كبدي، وأحلى هدية أعطاني إياها الله- عز وجل-، أحببت أباك أكثر وأكثر، لما عرفت خبر الحمل، بالطبع، كل شيء سيتغير، لكن إلى الأحسن، إن شاء الله..

تأكدت من الحمل في يوم 1 جوان 2011، ولطالما كان بداية شهر جوان بداية خير بالنسبة إلي، فقد مر على وجودي بالإمارات 5 سنوات بالضبط…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!