-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

على طريق الحديد

عمار يزلي
  • 761
  • 0
على طريق الحديد

“سهل العبادلة” يعود اليوم، ولكن في طبعته وصوره الجديدة مع التوجه الجديد: العبادلة، التي مثلث خلال فترة معينة المشروع الحلم خلال الثمانينيات، بعد فشل المشروع لأسباب كثيرة، منها ما هو مرتبط بطبيعة المنطقة، ومنها ما هو سوء تسيير للموارد المائية وشبكة المياه وقتها، تعود، ومنذ 2022، لتشكل محور الاهتمام الفلاحي، بإعادة استغلال السهل الخصيب، وإعادة تأهيل وإصلاح شبكة السقي المتضررة بالرمال، كما كانت الحال مع سد جرف التربة، الذي يشكل تجمعا مائيا أساسيا لمنطقة الساورة ككل.

ما يضاف اليوم لهذا المشروع الواعد، ضمن سياسية تنويع المحاصيل الفلاحية الصحراوية وتطويرها، هو فتح خط للسكك الحديدية من بشار إلى العبادلة، على مسافة قدرها 100 كيلومتر. هذا الخط، سيكون شريانا اقتصاديا كبيرا للمنطقة وللجزائر كلها، لاسيما إذا ما علمنا أن شبكة من الخطوط الأخرى للسكك الحديدية مبرمجة ومنها ما سيصل ولاية أدرار بعد نحو سنة.

هذه الشبكة التي طالما تحدثنا عنها، وانتظرنا أن تتجسد على أرض الواقع، لكونها الشبكة الأكثر ضمانا لانسيابية النقل والتجارة الداخلية وحتى القارية مستقبلا، هي شبكة النقل عبر السكك الحديدية التي تمثل أكبر شريان اقتصادي لأي بلد كبير بحجم الجزائر. يكفي التذكير بأن الولايات المتحدة، إنما تأسست على أساس بناء شبكة النقل عبر السكك الحديدية، ضمن سياسية التوغل غربا نحو “الغرب البعيد”.

ربط مناطق الشمال، أفقيًّا، شرقا ووسطا وغربا بخطوط عمودية باتجاه الجنوب الجزائري، يمثل أضخم مشروع ستحققه الجزائر، خلال وقت قصير، ما يمسح بربط كل المناطق الجزائرية بالشبكة ذاتها، لاسيما نقل البضائع: الأشخاص سيكون بمقدورهم أيضا التنقل بسلاسة، وفي وقت أسرع. شحنات الموارد الطبيعية والمصنَّعة في الأقاليم الشمالية، ستتمكن من الوصول بسرعة أكبر إلى الجنوب، والعكس صحيح، باتجاه الشمال وموانئ الشمال، بتكلفة أقل وظروف أمنية أضمن، خلافا للنقل البري عبر الشاحنات، أو حتى عبر الطائرات. سياسة فتح المطارات في كل منطقة، وفي كبريات المدن، من شأنها أن تعزز شبكة الطرقات التي تشق على قدم وساق في كل الاتجاهات، لاسيما باتجاه الجنوب، الذي ظل لعقود يعيش شبه عزلة، ما سيخفف الضغط عن الكثافة السكانية بمدن الشمال، الذي لا يزال يستوعب نحو سبعين في المائة من ساكنة الجزائر، التي تتجه نحو نمو سكاني قد يصل إلى مائة مليون، خلال السنوات الأربعين أو الخمسين المقبلة، إذا كان حجم الزيادة السكانية اليوم، هو في حدود مليون نسمة كل سنة.

التوجُّه العامّ، السياسي والاقتصادي والاجتماعي، يواجه أكثر من تحدٍّ داخلي وخارجي، وليس من العبث أن تكون الجزائر مستهدَفة في اقتصادها وأمنها الاجتماعي، فما نقوم به اليوم، بقدر ما هو مثلجٌ للصدور، مع كل التخوفات من الانتكاسات على الدرب وعلى الطريق، إذا ما غيّرنا توجهاتنا، لسبب أو لآخر، هو بمثابة دقّ مسمار في نعش السياسات القديمة التي انتهجناها منذ بداية الثمانينيات، التي أوصلت إلى رهن السيادة الوطنية والاستقلالية الاقتصادية، وتحوّلنا إلى مجرد قوة وسوق استهلاكية من جيب الخزينة والريع النفطي.

اليوم، وعملا بالمشاريع المقترحة التي دخلت الخدمة بسرعة، ولو أحيانا بفاعلية أقل، نظرا إلى العراقيل التي ما زالت تقف في وجه الخبرات الداخلية والإرادة السياسية في الاستقلال الغذائي والأمن الاقتصادي الذي يبعدنا عن شبح المديونية التي ستوقعنا حتما في شباك الرهن والتبعية للقوى الخارجية، يمكن اليوم أن نأمل خيرا في رؤية البلد يتغير حتما نحو الأمام، بعزيمة شعبه وقيادته، مهما كانت العقبات والمصاعب. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!