-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عن المنظومة التربوية مجددا.. حقائق وتساؤلات

الشروق أونلاين
  • 4131
  • 9
عن المنظومة التربوية مجددا.. حقائق وتساؤلات

بالرغم من الوضوح التام لمسألة المنظومة التربوية في أذهان الغالبية العظمى من أبناء وبنات وطننا وشعبنا، من حيث إن المسائل الأساسية في النظام التربوي الجزائري محسومة بالاستناد إلى الضوابط والقوانين التي تحكم هذا النظام التربوي، من الدستور إلى المواثيق واللوائح والقرارات التي تنظم هذا الميدان، ومن ذلك:

• أن غايات التربية ترمي إلى تحقيق مخرجات تنسجم مع القواعد التالية:

• الشعور بالانتماء والوحدة 

• الوعي بعناصر الهوية الوطنية: الإسلام والعروبة والأمازيغية.

• الاعتزاز بالتاريخ والجغرافيا والدين والثقافة.

• التشبّع بمبادئ الإسلام.

• إرساء قيم مبادئ حقوق الإنسان والمساواة والعدالة الاجتماعية

وبناء على ذلك كان من مهام المدرسة:

– تنشئة الأجيال على حبّ الوطن وفي إطار القيّم الحضارية. 

– الاستجابة للتطلّعات الشعبية للعدالة والتقدّم. 

– إعداد الكفاءات الوطنية في كل المجالات. 

– اكتساب المعارف العلمية والتكنولوجية. 

 – تنمية شخصية الأطفال والمواطنين وإعدادهم للحياة. 

بالرغم من كل ذلك الوضوح الذي تأسَّس على مبادئ وضوابط، فإن النقاش لا يكاد يخفت حتى يثور ولا يكاد ينتهي حتى يبدأ من جديد، وفي كل مرة بعناوين برَّاقة يجمعها العنوان أو اللافتة الكبيرة “الإصلاحات”. ولكن مدارها واتجاهها وغاياتها في ميدان آخر، وفي فلك آخر تماما، يتجاوز كل هذه الضوابط والأصول ويذهب بعيدا، في إقصاء مكوّنات الهُوية، وسلخ المتعلمين من القيم والمبادئ التي تمثل فضاءهم الحضاري والقيمي.

نعم، إن النقاش لا يكاد ينطفئ إلا ليبدأ من جديد، لكن في دائرة أخرى؛ فمرة عن اللهجات العامِّية ولغة الأم، ومرة عن النقاب والحجاب والخمار، ومرة عن الغش، ومرة عن التدريس بالفرنسية للمواد العلمية، ومرة عن اعتماد الفرنسية أساسا في النجاح في الامتحانات الخاصة بفئات من المربين، ومرة… وهكذا.. بما يعني أن لا شيء في صلب الموضوع مما يرفع الغبن عن المنظومة التربوية ويساعد على إخراجها من الظلمات التي تتخبط فيها، عقدا بعد عقد، على مدار أكثر من ثلاثة عقود حتى الآن. وقد كانت المدرسة الجزائرية هي الأفضل قبل نحو عشرين عاما، عندما كانت تخرِّج النوابغ والنابغات متعدِّدي اللغات، والمتميزين في مجالات العلوم والآداب والفنون. وكأن كل ذلك أريد له أن يكون من الماضي.

قد أن يسارع البعض إلى القول: لا، ليست هذه القضية ساحة نقاش؛ فالخيانة لا يمكن أن تكون وجهة نظر، والمسائل الكبرى لا يمكن مناقشتها؛ لأنها محسومة، فهي أصل والأصول يُبنى عليها ولا تناقَش. ومن تلك الأصول المقوّمات التي يقوم عليها ا لمجتمع الجزائري: الدين واللغة والوطن، التاريخ، الجغرافيا، المبادئ، التوجه الحضاري.. إلخ.

ولكن مع ذلك نريد أن نبسط الحديث في هذا الشأن المتصل بالمنظومة وقضاياها مثل: البسملة، ومضايقة مادة العلوم الإسلامية، والجرأة على الحنث بالوعود، والإغراق في إصلاح وهمي يرمي أكثر ما يرمي إلى سلخ المنظومة وتعريتها وتجريدها من كل مفيد.. فنقول:

لقد نصحنا ـ وهو واجبنا الرئيس ـ لهذه الوزيرة وطاقمها ومن معها، وبذلنا كل جهد في سبيل تحقيق الإصلاح الحقيقي لمنظومتنا التربوية المثقوبة، والتي صارت مضرب المثل في الرداءة والضعف والعجز وانحدار المستوى. وقلنا: إن الإصلاح لا بد منه، ولكن ليس أي إصلاح، وإنما الإصلاح الذي يعمل على التطوير والتحسين والتجويد والرقيّ بالمنظومة، بناءً على تشخيصات دقيقة لأدائها وعللها المتنوعة المتعددة، وعلى رأسها ضعف المستوى، وضعف الأداء، وتواضع “المخرجات” التي تحققها المنظومة منذ أعوام، فضلا عن انعدام الرؤية الصحيحة الصائبة.

كما قلنا إن المساس بالمسائل الجوهرية أمرٌ لا يمكن قبوله، ولا يمكن السكوت عنه. وقد طال النقاش واستطال، وجاءت التصريحات المكذِّبة المرة بعد المرّة، لكل ما يكتب ويُنشر ويُشاع من أن هناك “مخططا” قائما، والعمل عليه ووفق بنوده، جار على قدم وساق، وأن تحوير المنظومة بما يحقق أهداف التغريب والعولمة و”العالمية” ماض بكل السبل والطرق، بما في ذلك نقض العهود والنكوص على الأعقاب، وأن الاجتهاد والابتكار ماض وقائم ـ أيضا ـ لنقض ما يمكن نقضُه شيئا فشيئا: من إبعاد بعض الآيات الكريمة، إلى تقليص الحجم الساعي للمواد ذات الصلة، إلى دسّ نصوص تافهة في الكتب المختلفة، إلى صياغة أهداف فضفاضة، ومناهح بلا روح، ولا رائحة، ولا لون ولا قيمة.. إلى.. المساس بالبكالوريا وتغيير نمطها، وتقليص أيامها، وسحب بعض المواد من الامتحان إلخ.. وصولا إلى البسملة التي قرّرت وصرّحت المسؤولة نفسها بنفسها أنها “لن تحذف”، معتبرة ما قيل ويُقال “حملة ظالمة لا تستند إلى أساس”، وقد ثبُت العكس في شأنها وكتب الإعلاميون أن ذلك تمّ بـ”أمر شفوي” قبل أربعة أشهر. وها هي مشكلات المنظومة تتفاقم ككل عام وتبرز في مظاهر متنوعة: في الاكتظاظ، والفوضى، والتكوين الناقص، والتذمّر الذي يعبر عنه آلاف مؤلفة، وعدم تجهيز المؤسسات، وسحب كتب، وإعادة بعضها للتصويب والتصحيح… وكثير غيرها من المشكلات التي تكاد تنفجر منها المنظومة، وتتحدث عنها الصحف يوميا.

 “لقد كانت المدرسة الجزائرية هي الأفضل قبل نحو عشرين عاما، عندما كانت تخرِّج النوابغ والنابغات متعدِّدي اللغات، والمتميزين في مجالات العلوم والآداب والفنون. وكأن كل ذلك أريد له أن يكون من الماضي.”

وذلك كله أدعى للاهتمام الصادق الدؤوب، وأقرب إلى العناية والتدبير للارتقاء بنظامنا التربوي الذي يستقبل أزيد من 9 ملايين في أطوار التعليم المختلفة، أي ما يعادل شعبا لدى بعض الأوطان. وهو ما أشرنا إليه مرارا وتكرارا وأننا يجب ـ جميعاـ أن نتعاون عليه، ويستمع بعضُنا إلى بعضنا الآخر فيه بعمق وصدق.. ولكن لا يحدث إلا اليسير من ذلك، لأسباب مختلفة، لعل أهمها عدم التعمّق في فهم وإدراك ما يُراد بالمنظومة التربوية الوطنية، وبالتالي عدم إدراك الأضرار الجسيمة المراد إلحاقها بها، والتي لن نتبيّنها إلا بعد مدة من الزمن قد تطول، وأن الإصرار على هذا “الإصلاح” الذي هو أقرب إلى التخريب هو الذي يدلّ على الغايات التي يرمي إليها هؤلاء المدَّعون للإصلاح.

وقد قدّم الصادقون من المربين والمفتشين والمتابعين للشأن التربوي، حتى من النقابات.. خلاصات مفيدة آثرت أن تكون مساهمة أولى في إصلاح حقيقي تشاركي؛ لأن أمر الأجيال يهمّ المجتمع كله، مع التأكيد على أن ذلك ممكن، أي تحقيق إصلاح بإقلاع منظومتنا إقلاعا راقيا، لتكون في مصاف المنظومات الناجحة القوية، كما هو الشأن في سنغافورة، وألمانيا، ونيوزيلدا، وكندا وسواها.

إن النهوض بتعليمنا ليس معجزة ننتظر تحققها من تلقاء نفسها، وإنما هي نتيجة لعمل دائب منتظم دائم متصل، مسنود إلى أهل الخبرة والكفاءة والقدرة، بإشراك كل من يعنيهم الأمر، وهذا ما تفعله المجتمعات الجادة كلها. ولكن يبدو أن الانفراد بالرأي والتطبيق هو ديدن البعض، وهو ما يذكي أفكار الشك ويقويها، لأن الفعل دليلٌ كاف على ما في الباطن.

لنعلم جميعا أن المسألة أكبر؛ لأنها تتعلق بمستقبل كامل لملايين.. وأن التفاصيل التي هي موضوع النقاش في الساحة الوطنية اليوم، ليست سوى “عناوين” لمخططات وتصوّرات قيد التطبيق متى أُتيحت الفرصة. وللحديث بقية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
9
  • لعمش الطاهر

    حديثك عن نجاح المنظومة التربوية قبل عشرين سنة في اخراج النوابغ مبالغ فيه ،فأين هم هؤلاء النوابغ واين النجاح الذي تتحدث عنه ؟؟

  • بدون اسم

    الوعي بعناصر الهوية الوطنية: الإسلام والعروبة والأمازيغية
    العروبة !!!!

  • أحمد

    لا ييمكن أ، نتحدث عن الإصلاحات التربوية ، ونحن نتجاهل حقوق القائمين عليها.اسئلوا وزيرة التربية عن نظار الثانويات، كيف تم تصنيفهم؟ رغم أنهم جزائريون-ورب الكعبة-
    رغم اعتراف جميع المسؤولين في القطاع بالخطأ الذي مس هذه الفئة، لكم ولا أحد تجرأ لإصلاح الخطا، بل الأدهى والأمر هو حجز ترقيتهم -لمنصب مدير الثانزية-ومنحها للأساتذة الرئيسيون، ر غم أنهم بعيدون كا البعد-قانونا ، أ,حتى أداءا، ثم نسنع هنا وهناك من يتكلم عن الكفاءات، بالله عليكم بأي لغة يتكلم هذا القوم؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

  • مناع ـ الجزائر

    لن يصلح حال الوطن إلا بإصلاح التربية، لتكون وسيلة فعالة في بناء الأجيال ...منتجة لأفراد يحسنون استعمال قدراتهم العقلية

  • مناع ـ الجزائر

    إلى صاحب الموضوع ...إن حصر إشكالات التربية الوطنية في بعض المقررات خطيئة كبيرة يمارسها المثقفون في حق الحقيقة عن قصد أو غيره، وينسبون أفكارهم إلى مدارس قديمة مصرين على التقيد بها
    المنظومة التربوية في الجزائر موضوعة بشكل لا يسمح بأن تكون منتجة بل هي منظومة تعليمية تنتهج حشو العقول بالمعلومات، بينما النظم التربوية الحقيقية تستهدف تنمية وتطوير القدرات العقلية للمتعلمين
    إننا نرى ذلك من خلال نظرة المسؤولين على القطاع إلى نوعية اختيار وتكوين إطارات التربية ، ونوعية عمليات التقويم المنتهجة

  • عبد الحفيظ

    أستسمحك يا أخي العزيز ... إن المنظومة التربوية في عهدي بن بلة وبومدين بالرغم من نقائصها فهي أفضل من المنظومة الحالية والتي سميت بالمظلومة . وانت بدون شك تعلم أن الكثير من الكفاءات الجزائرية سواءا في الداخل أو الخارج هي من تلك الحقبة ..وأرجو أن تتمعن في محتوى ما ترمي إليه بن غبريط ومن معها وسترى الكوارث ولا أقول الكارثة .أقل ما يقال عنه أنه تغريبي .

  • المندهش مندهش _الجزائر

    إن العولمة رمت بثقلها دفعة واحدة لم تترك لنائم ارتداء ثيابه.

  • فوضيل

    رفض الإصلاح الحقيقي في المنظومة التربوية هي حالة نفسية معقدة تحتاج إلا تشخيص نفسي أو أنها من أثار المدرسة الجزائرية التي كان الفكر الاخواني والقومي لأساتذة الشرق الاوسط الذين جلبهم نظام بن بلة وبومدين بعد الاستقلال لبناء المدرسة الجزائرية هم السبب في هذا الجيل المعاق فكريا ،فالمواطن لم يعد مثقف ثقافة عالمية ، بل صار مثقف ثقافة محلية بائسة لا تفيد بشيء، لقد تحول الجزائريين من شعب تحرري و تقدمي في الستينات والسبعينات، إلى شعب نصفه من المتطرفين، ونصف الآخر يعاني ويلات الإرهاب و العنف.

  • بدون اسم

    لغة الخشب في حلية كاملة كالعروس التي تتجمل للانتقال الى عريسها...شعارات اكل الدهر عليها وشرب ونام...شعارات التسيير الاشتراكي للمؤسسات طغت بشكل كامل على مقالك يا استاذ...لم يبق غير شعار من اجل حياة افضل..................بلد الجهال والجهلة سيبقى هكذا متخفيا كالعوانس اللواتي استهلكن كل العطارات دونمانتجة تنقلهن من الضياع الى عالم الحياة..بلد قادته او مسؤوليه او اطاراته ان جاز التعبير من ذوي التعليم والمستوى التعليمي البسيط+خريج التكوين المتواصل.او تزوير الشهادات الجامعية.سيبقى يدور في دائرته وحفرته