الرأي

عيب وعار عليكم !

جمال لعلامي
  • 2343
  • 2

فاجأني صباحا في الطريق، مبلّلا، فوق ظهره حمولة مرهقة، وسط تهاطل كثيف للأمطار، توقفت عنده بنية خدمته وإنقاذه من ما لاتحمد عقباه: سألته: إلى أين أنت ذاهب؟.. تجاهلني وأكمل طريقه.. فهمت أن عائلته أوصته بأن لا يركب سيارة أيّ غريب.. توقفت مرّة أخرى لأنه قطّع فؤادي وعاودت السؤال: لا تخف، إلى أين أنت ذاهب؟.. ردّ هذه المرة بصوت المستنكر المنكسر: الحافلة لم تأت، أنا متوجه إلى المدرسة !

النقل المدرسي، لم يأت، يا جماعة الخير، وتخلى عن التلاميذ الصغار من مختلف الأعمار، وتركهم ينتظرون ويتمرمدون، فقرروا التوجه إلى مدرستهم سيرا على الأقدام، تحت “ضربات” المطر الغزير، والمخاطر التي قد تواجههم في طريقهم، في ظل هذه الظروف المناخية الاستثنائية !

يحدث هذا في منطقة “شبه راقية”، بجهة من جهات العاصمة، وإذا كان هذا هو حال عاصمة البلاد، فما هو يا ترى مصير التلاميذ في الأرياف والمناطق المعزولة وبالولايات المنسية التي مازالت تعيش البؤس والتهميش؟.. وهل يُعقل أن يغيب النقل المدرسي في مثل هذا المناخ الشتوي الذي يشكل خطرا على الكبار قبل الصغار؟

عندما تستمع إلى وزيرة التربية، المسؤولة عن التلاميذ والرعاية المدرسية، وتستمع إلى الولاة والأميار، المسؤولون عن النقل والإطعام المدرسيين، تشعر بأن كلّ الأمر على ما يُرام، لكن، الواقع شيء آخر، لا يوجد إلاّ في الكوابيس المزعجة والمرعبة، وهذا لا يتطلب دليل ! قد تكون الحافلة معطلة، أو ربما البلدية أو المصالح المعنية لم تدفع أجرة السائق، وربما هذا السائق كان مريضا، أو أنه هو الآخر ضحية غياب النقل، وكلّ هذه المبررات موضوعية وطارئة، لكن ألا توجد حلول استعجالية لمثل هذه الطوارئ، حتى لا يُرمى بالأطفال إلى التهلكة؟

والله، عيب وعار، على المتورّطين في مثل هكذا تصرّفات، تتطلب عقابا وحسابا، ضد كلّ المستهترين والمتسيّبين والمتواطئين من المسؤولين الذين توصلهم سيارات فخمة إلى مكاتبهم المكيّفة طوال الفصول الأربعة، ودون شك فإن حالة التلميذ الذي رويت قصته المأساوية، هو نموذج فقط لعشرات ومئات الحالات البائسة لتلاميذ يعانون في كل موسم دراسي !

هل بهذه الحالة، يُمكن الحديث عن المستوى الدراسي، والنتائج المحصلة، وهل هكذا يُكرّس التعليم المجاني والإجباري؟.. وألا يستحقّ هؤلاء المتمدرسون “الضحايا” كلّ العرفان والتقدير، مهما كانت كشوف نقاطهم، وهم من يفتقدون لحقّ التمدرس بالقرب من مكان إقاماتهم، وتعذبهم الإدارة وتروّعهم ببُعد المسافات، ونسيانهم بالطرقات وإشباع أوليائهم أمام وسائل الإعلام وعودا وعهودا مبنية للمجهول ومحشوة بالكذب والنصب !

مقالات ذات صلة