-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

فرنسا.. هل تستحقُّ الشكر أم البصق؟

فرنسا.. هل تستحقُّ الشكر أم البصق؟

بعد 59 عامًا على استرجاع السيادة الوطنية، لا يزال حنين الجنة المفقودة في الجزائر يُراود أحلام الاستعماريين في باريس، حيث تطلّ في كل ذكرى رؤوس الاحتلال المشؤوم بالمنّ على الجزائريين بالحضارة والمدنية التي جلبتها لهم جيوش الغصب والنهب، وآخرهم عميد رؤساء بلديات فرنسا، جيرار تاردي، الذي دعانا إلى “شكرها على ما تركته قبل أن ترحل بدل البصق عليها”.

أولا ينبغي التأكيد على أن كلّ ما خلفه الاستعمار البغيض من بُنى تحتيّة إنما تمّ تشييده بثروات الجزائر وسواعد أبنائها، ولكن لأغراض احتلاليّة محضة، ضمن مخطط تأبيد الاستعمار، ولم تكن أبدا في خدمة الأهالي المحرومين من أبسط حقوق الحياة الطبيعية، قبل أن يضطرّ للمغادرة تحت خيبة الهزيمة العسكريّة. وعليه، فإنّ مجرد وجودها في أي بلد ليس دليلاً على خيرية مستعمِره وحسن نيته.

ونعود الآن إلى الوقوف على ما جاء به الفرنسيون إلى الجزائر في 1830، لنعرف عن أي حضارة وإنسانية يتحدثون، وقد شهدت كتابات المعاصرين منهم، مثل إسماعيل أوربان وويسلون إيسترهازي على أن جنود الحملة الفرنسية كانوا من الفلاحين الجهلة تماما، وقد أثبتوا أن عدد المتعلمين في الجزائر كان يفوق نظيرهم في فرنسا عندئذ، وهي التي بلغت فيها الأمية نسبة 45 بالمئة.

ويستعرض أبو القاسم سعد الله، رحمه الله، في كتاب “الحركة الوطنية الجزائرية”، تلك الخلافات الحادّة التي نشبت بين الفرنسيين عما نهبوه من خزينة الجزائر عند دخولها، والطريقة التي عالجها بها قائد الحملة دي بورمون، حتّى وصلت أصابع الاتهام إليه هو، بل إلى ملكه شارل العاشر، ثم إلى الملك لويس فيليب، أما جنوده وضباطه فقد اتهم كل منهم الآخر، لتصبح قصة النهب حديث الصحافة الفرنسية والتقارير السرية، فمتى كان اللصوصُ ناشري حضارة؟ ثمّ علق شيخ المؤرخين بالقول “لو كنت من أصحاب السلطات والصلاحيات لطالبت فرنسا اليوم وغدا بمحتويات خزينة بلادي، ولكن لا رأي لمن لا يطاع”.

كما سجّل مؤرخ الجيش الفرنسي، بول أزال، تخريب الجنود لمدينة الجزائر، وقطع أشجار الحدائق، وخلع أعمدة المنازل لإيقاد النار، وثقب أنابيب المياه لملء أوانيهم منها، وهدم السواقي لسقي حيواناتهم، وتفجير مخزن البارود، ولم يحافظوا حتى على صحَّتهم، إذ دخل منهم 2500 جندي للمستشفى بسبب عدم نظافتهم، فهل كانت تلك الأعمال الترويعية والتخريبية نشرا لقيم الإنسانية؟!

وشرعوا منذ الوهلة الأولى في تغيير الشوارع وأسمائها وتحويل المساجد إلى كنائس ومخازن ومستشفيات، وتهديم بعضها نهائيا، ونفس الموقف كان مع المدارس والكتاتيب العربية، ثم سرقوا مدفع بابا مرزوق الذي طالما زرع الرعب في قلوبهم، فأرادوا الانتقام من رمزية الجهاد الإسلامي ضد الغزوات الصليبية الفاشلة قبل الاحتلال، فهل كان طمس معالم المدن والتدخل في القيم الوطنية من آثار التمدين الفرنسي للجزائر؟

ولم تسلم من وحشيتهم حتى مقابر الموتى، فقد أمر الدوق دو روفيقو سنة 1832 بتخريب المقبرة الإسلامية، بدعوى مدّ طريق بين قلعة بوليلة وباب عزون، حيث لم يتورَّع المهندس المكلف بالحفر عن تقطيع عظام الأضرحة إلى نصفين، في مشهد اهتزت له مشاعر الفرنسيين أنفسهم من المشاركين في العملية.

بل هرّبوا عظام الموتى الجزائريين إلى مرسيليا لاستعمالها في فحم العظام وتبييض السكر، في واقعةٍ أثارت الرأي العامّ الفرنسي، وفق ما نقله حمدان خوجة والكاتب الفرنسي المعاصر مارسيل إيمريت، وسجل مؤرخوهم أن الأوروبيين واليهود كانوا يجمعون الأحجار الكريمة والعظام من المقابر بعد مرور المجارف الفرنسية ويسرقون المرمر.

ويعترف المؤرخ يوجين روجان أن الجنرال بيجو في محاربته لمقاومة الأمير عبد القادر أحرق القرى وأفزع الماشية وأتلف المحاصيل واقتلع البساتين وقتل الرجال والنساء والأطفال ورفض قبول الأسْر.

ويقول المؤرخ فلاديمير لوتسكي إن الفرنسيين استخدموا أشد الأساليب وحشية لإرهاب الشعب الجزائري حتى أبادوا القبائل الموالية للأمير عن بكرة أبيها وقطعوا آذان الأسرى وسبوا الزوجات والأطفال وعرضوا النساء في المزاد العلني مثل الدواب، وقطعوا رؤوس الأسرى لتلقين العرب دروسًا في احترام السلطة الفرنسية.

بل أدى نير الاستعمار إلى كارثة اقتصادية حتى عمت المجاعة بين عامي 1868 و1870 واقتات الناس من الحشائش، ومات خُمس السكان (نصف مليون ضحية) في ست سنوات من المجاعة والأعمال الوحشية.

لذلك اعترف المؤرخ الفرنسي روبير شنيرت أن الاستيطان في الجزائر لم يكن ليتحقق إلا على حساب السكان الأصليين، والذين لم يتطوَّروا تطوُّرا يستحق الذكر، ولم يستفيدوا من مؤسسات الحماية والتربية، بل لم يفتتح أول مستشفى لهم إلا بعد مرور 60 عاما بعد ما فتكت بهم الأمراض، فهل تستحق فرنسا الشكر أم البصق على تلك الجرائم؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
6
  • غزاوي

    مجرد تساؤل. من يشكر من !!!؟؟؟ صحيح أن فرنسا تركت أشياء في الجزائر، لكنها أنجزتها "بثروات الجزائر وسواعد أبنائها، ولكن لأغراض احتلاليّة محضة، ضمن مخطط تأبيد الاستعمار" واستفاد منها الفرنسيين والمعمرين حصرا. وأصح منه أن فرنسا أخذت أشياء من الجزائر، أفقرت الجزائريين وعادت بالجزائر للخلف مئات السنين. فلنقارن بين هذا وذاك، لنعرف من يستوجب عليه ليس الشكر، بل الاعتذار للأخر. الجزائر أسقطت ورقت التوت عن شعار فرنسا البراق، وكشفت للعالم أنه جائر. فكانت الحرية استعباد، والأخوة عداوة، والمساواة تمييز. 1=مقتبس من المقال.

  • غزاوي

    مجرد تساؤل. من يشكر من !!!؟؟؟ صحيح أن فرنسا تركت أشياء في الجزائر، لكنها أنجزتها "بثروات الجزائر وسواعد أبنائها، ولكن لأغراض احتلاليّة محضة، ضمن مخطط تأبيد الاستعمار" واستفاد منها الفرنسيين والمعمرين حصرا. وأصح منه أن فرنسا أخذت أشياء من الجزائر، أفقرت الجزائريين وعادت بالجزائر للخلف مئات السنين. فلنقارن بين هذا وذاك، لنعرف من يستوجب عليه ليس الشكر، بل الاعتذار للأخر. الجزائر أسقطت ورقت التوت عن شعار فرنسا البراق، وكشفت للعالم أنه جائر. فكانت الحرية استعباد، والأخوة عداوة، والمساواة تمييز. 1=مقتبس من المقال.

  • ابونواس

    بل تستحق المتابعات القضائية في المحاكم الجنائية الدولية على جرائمها الارهابية في حق الشعب الجزائري..شعب مات مرتين..في زمن الارهاب الفرنسي...وفي زمن ووقت الخذلان الرسمي الجزائري..............أي رعب تملك هؤلاء الحكام والقادة العسكريين من رفع الدعاوى القضائية ومحاكمة فرنسا الارهابية على جرائمها التي فاقت الفاشيون الهتلريون والدواعش الأعراب....أي جبن حول هؤلاء الرسميون للنظام الجزائري كالصراصير تنجو بأرواحها من سحقها بنعال الفرنسيين ....فرنسا تستحق اعلان الثورة على مخلفاتها الحاكمة من وراء الستار...ومقاضاتها بالارهاب والهمجية التي مارستهما على الشعب الجزائري الغلبان

  • بوزا شريم مواطن جزائري شريف..

    تستحق البصق من الشرفاء والشكر من الانذال الموالين لها والمكلفين بهمة حتى الان الم ترهم يحرقون التاريخ والجغرافية الى يومنا هذا واكبرعميل هي منظمة الماك والزواف الذين استعملتهم عند قدومها واوصتهم عند طردها بالمحافظة على العهد.

  • حقيقة مرة

    بعد 59 عامًا على استرجاع السيادة الوطنية، لا يزال حنين الجنة المفقودة في الجزائر يُراود أحلام الاستعماريين في باريس .. ولا يزال الجزائريين يهربون لفرنسا أفواجا أفواجا بحرا وبرا وجوا حتى بلغ عددهم حوالي 6 ملايين نسمة أي أقاموا دولة داخل دولة والبقية ينتظرون الفرص السانحة .

  • حقيقة مرة

    بعد 59 عامًا على استرجاع السيادة الوطنية، لا يزال حنين الجنة المفقودة في الجزائر يُراود أحلام الاستعماريين في باريس .. ولا يزال الجزائريين يهربون لفرنسا أفواجا أفواجا بحرا وبرا وجوا حتى بلغ عددهم حوالي 6 ملايين نسمة أي أقاموا دولة داخل دولة والبقية ينتظرون الفرص السانحة .