فوضى الإفتاء في الجزائر
يردد أستاذي محمد الصالح الصديق، مد الله في حياته وأتم عليه نعمه، فيقول: “إنني أفرح كثيرا وأفاخر غيري إن رأيت تلميذا من تلاميذي بلغ مبلغا محترما في العلم، وارتقى بسببه مرتقا عاليا.. وكان “محيي الجزائر” الإمام عبد الحميد ابن باديس يقول لتلميذه الفضيل الورتلاني عندما يقول قولا سديدا، أو يكتب كلاما أصيلا، أو يقف موقفا نبيلا: “لمثل هذا كنت أحسيك الحسا”
واستنانا بسنة الإمام ابن باديس أقول للدكتور يوسف نواسة: “لمثل هذا كنت أحسيك الحسا”، وأفاخر وبأمثاله ممن سعدت بالتدريس لهم، وهو الآن يرابط على عدة جبهات في المعركة الحضارية، فهو أستاذ في الجامعة يعد الأخلاف لحمل ميراث الأسلاف، وهو إمام يؤم الناس في أحد أكبر المساجد، هو مسجد الرحمن لتربية “عباد الرحمن”، وهو ذو قلم وذو لسان يدل بهما على الخير، وينشر الوعي عبر الإعلام المقروء والمرئي، وهو ممن قبض قبضة من أخلاق الإسلام، إذ لم ينس الفضل، فبعث لي كتابا مفيدا من تأليفه، مصدرا له بكلمة طيبة، دعا لي فيها، ورجاني أن أدعو له.. موقعا إياها بعبارة تدل على وفاء وتواضع يتوجان هامته، وهي “تلميذكم يوسف نواسة”. أما الكتاب فهو “فوضى الإفتاء في الجزائر”.
من عادتي إذا اشتريت كتابا أو أهدي لي أن ألقي نظرة عجلى على مقدمة الكتاب، لأعرف ما يتناوله، وعلى قائمة مراجعه التي استشارها في موضوعه، موافقا أو مخالفا.. ثم أقرر إما الإسراع بقراءة الكتاب كله أو بعضه، أو تأجيل قراءته إلى وقت مناسب.. وذلك ما فعلته مع كتاب الدكتور نواسة، فعلمت من مقدمته ومن فهرسه تفاصيل ما تناوله، واستيقنت قيمة ما اعتمد عليه من مراجع التي قاربت السبعين..
لقد قسم الأستاذ كتابه إلى أربعة فصول وخاتمة، فتناول في الفصل الأول “الأحكام العامة للفتوى وأسباب الاختلاف الفقهي”، واستعرض في الفصل الثاني “ظاهرة فوضى الإفتاء في الجزائر” وبحث في الفصل الثالث “أسباب ظاهرة فوضى الإفتاء” واقترح في الفصل الرابع بعض “علاج ظاهرة فوضى الإفتاء في الجزائر”..
إن مما لفت نظري أن المؤلف استعمل لفظ “ظاهرة” في الفصول الثلاثة مما يدل على استشعاره خطر الأمر.. ما دعاه إلى سرعة التدخل بإعداد معهد عال متخصص في تكوين المفتين، يلتحق به حاملو شهادة الليسانس في الدراسات الإسلامية، فإن لم يتيسر ذلك فيمكن فتح تخصص للإفتاء في كليات الشريعة.. وهذا المعهد أو التخصص هو الذي سيفضي إلى “صنع المرجعية الخاصة بنا. وأذكر هنا بما سبق للإمام الإبراهيمي الإشارة إليه من وصول جمعية العلماء المسلمين الجزائرية إلى “تكوين زعامة علمية حقيقية بهذا الوطن”. (آثار الإمام الإبراهيمي ج1. ص151) ولا يعني هذا الانغلاق على مذهب واحد، مهما تكن متانة أصوله، وصحة فروعه..
إذا كانت الدولة حريصة على صحة المواطنين، وقد أسست لذلك كليات للطب لحفظ صحة الأبدان، فأحرى وأولى أن تحرص –إن كانت تعقل- على تأسيس كليات للشريعة لحفظ صحة الدين.. ومما يساعد على تكوين هذه المرجعية السعي الجاد لجمع تراث علمائنا، وتنظيمه وتبويبه ونشره، وذلك من مهمة وزارة الشؤون الدينية، أو المجلس الإسلامي الأعلى، أو مجلس وطني للفتوى إن وجد.. ونطمع من الأستاذ يوسف أن يزيد.