الرأي

في القصاص حياة

هاتفني شخصٌ قدّم نفسه على أنه صحافي يتعامل مع موقع “الجزيرة نت”، و”يريد رأيي” في مسألة الحكم بالإعدام.

ومن طبعي أنني لا أعطي تصريحات لأيّ وسيلة إعلامية لما قد يقع فيها من “تحريف” و”بتر”، سواء كان ذلك بنيّة “حسنة”، أو كما يقول المصريون: “المخرج عاوز كدة”.. لغرض أو أغراض عند الصحافي أو عند أصحاب “الوسيلة” الإعلامية أو عند من “يرانا ولا نراه”.

تردّدت في الإجابة، ثم خشيت أن أكون ممن يكتمون الحق وهم يعلمون، فقلت إن هذه القضية بالنسبة لي ليست “رأيا”، بل إن هذا الأمر “القصاص” عقيدة، فأنا لا أعطي “رأيا” في أمر فصل فيه “القاهر فوق عباده”، فأيّ أرض تقلّني، وأيّ سماء تظلني إن أضلني شيطانٌ من “الإنس” أو شيطانٌ من الجن ليكون لي في هذه القضية “عند”..

إنني مع تطبيق أحكام الإسلام كلها، ولست من الذين “يؤمنون” ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، أو من الذين يطيعون الله في “بعض الأمر” فقط، أو ممن يعملون بـ”حديث” ويعرضون عن “حديث”، ولست من الذين يجعلون “القرآن عضين”.. فالنفس بالنفس، والعين بالعين، والسن بالسن… والسارق والسارقة تُقطع يداهما، خاصة بالنسبة لأصحاب الأجور الكبيرة التي تكفيهم وزيادة، والزانية والزاني يُجلدان أو يُرجمان إن كانا محصَّنين.. ذلك حكمُ الله، و”ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم”، و”إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا”..

إن الظالمين، والسارقين، والزناة و…”الكبار” هم الذين يعترضون على أحكام الله “العادلة”… فلماذا يسرق “مسئولٌ كبير” يتقاضى أجرا كبيرا، لولا أنه شرِّير، وتافه؟ ولماذا “يتوسَّط” مسئولٌ كبير لشركة من الشركات لترسو عليها “مناقصة” ليأخذ مقابل ذلك التوسط نسبة من المال؟ لولا الجشع، وكبر البطن… إنني –ولستُ وحدي- مع التنفيذ الصارم لكل حكم من أحكام الله على كل إنسان مهما تكن مسئوليته، ولا أستثني من احتموا بما يسمونه “الحصانة”، رئاسية، أو وزارية، أو دبلوماسية، أو برلمانية…

إن المؤمن الحقيقي هو الذي لا يجادل في أحكام الله بعلم أو بغير علم، وإلا فليكن “رجلا” أو “نصف رجل” أو “عُشر رجل” وليصرِّح بأنه ضد تطبيق أحكام الله.. وبأنه مع “حكم الجاهلية”، ولو كان من المنظمات التي يسمونها “دولية”، وأكثر أعضائها من الشواذ، واللصوص، والعراة.. الذين يريدون فرض انحرافاتهم على العالم.. ليصبح الجميع “مافيش حد أحسن من حد”، وصدق الله العلي العظيم القائل: “ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء”.

إنني في المسألة التي سُئلت عنها، وهي “حكم الإعدام” أرفض أن يستغله أي حاكم “فاجر جائر” لتصفية خصومه السياسيين، وأدعو القضاة أن يتمردوا -رغم ما قد يصيبهم من أذى الحكام– على “الأوامر” التي تأتيهم من هنا وهناك، لإصدار حكم على “هوى” هذا الحاكم أو ذاك، كما وقع في قضية المجاهد محمد شعباني – رحمه الله- حيث أمر “طاغية” أن يحفر قبره –شعباني –قبل أن يحكم عليه..

وليعلم هؤلاء “القضاة” أنه سيأتي عليهم يومٌ – في الدنيا أو في الآخرة – يعضون فيه أصابعهم ندما على حكم أصدروه، لا إرضاءً لله تعالى، ولكن إرضاءً لسفيه من السفهاء، الذي سيتبرأ منهم ومن حكمهم اليوم أو غدا، “ولات ساعة مندم”.

كما أدعو المحامين “السماسرة” أن يتصفوا بشيء من المروءة بعدم “الدفاع” عمن يتبيّن إجرامُهم، ويلتمسون لهم “البراءة”.. وليتذكروا، بل وليعلقوا على جدران مكاتبهم قوله تعالى: “ها أنتم جادلتم عنهم في الحياة الدنيا، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أمن يكون عليهم وكيلا”.. وليعلموا –مرة أخرى- أن ما “يأكلونه” من أموال مقابل “أتعابهم” “إنما يأكلون في بطونهم نارا، وسيصلون جحيما”.

إن العرب في الجاهلية، التي هي في بعض الأمور أفضل من هذا العصر “التقدّمي”، كانوا أكثر حكمة من “مسلمي آخر الزمان” فقالوا في أمثالهم السائرة الصالحة، الصائبة “القتل أنفى للقتل”.

إنني إنسان، لم أحرم من قدر من الرحمة كأكثر بني آدم، ولكنني لست أكثر رحمة ورأفة من الرحمن الرحيم، الذي وسعت رحمته كل شيء، ومع ذلك قال “ولا تأخذكم بهما – أي الزانية والزاني، وكذلك السارق والسارقة، وكذلك القاتل والقاتلة…- رأفة في دين الله”..

إن ما تتخبط فيه الجزائر والأمة الإسلامية بل والإنسانية جمعاء من مشكلات عويصة حار فيها أولو الألباب إنما سبب ذلك –علم من علم، وجهل من جهل– الإعراض عن حكم الله وذكره، ومن أعرض عن ذلك فإن له معيشة ضنكا، وهل هناك معيشة أكثر ضنكا مما نحن فيه؟ فـ”اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا”، واللهم ولّ علينا خيارنا.

المؤمن الحقيقي لا يجادل في أحكام الله بعلم أو بغير علم، وإلا فليكن “رجلا” أو “نصف رجل” أو “عُشر رجل” وليصرِّح بأنه ضد تطبيق أحكام الله.. وبأنه مع “حكم الجاهلية”، ولو كان من المنظمات التي يسمونها “دولية”، وأكثر أعضائها من الشواذ، واللصوص، والعراة..

مقالات ذات صلة