-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

في اليوم التالي للعدوان…ما رسائل المقاومة؟

في اليوم التالي للعدوان…ما رسائل المقاومة؟

منذ الأسابيع الأولى للعدوان على غزة من عام 2023، تصاعد بشكل بارز الحديث الصهيوني والإقليمي والدولي عن ترتيبات اليوم التالي للحرب، إذ لم تتوقع أحلام الاحتلال الإسرائيلي وأذنابه في المنطقة غير النصر الحاسم على المقاومة واجتثاثها من جذورها، ثم فتح عهد جديد في القطاع يتسيّد فيه عملاؤه الوافدون على ظهر الدبابة، ليعيش الكيان هادئ البال مطمئنّ الجانب، لا تعكّر صفوه كتائب القسام وسرايا القدس.
ها هو اليوم التالي الذي طال انتظاره قدّ حلّ منذ 19 يناير 2025، بعدما سالت بحور من الدماء الزكيّة وتطايرات أكوام من الأشلاء الطاهرة على صخور الصمود والثبات في مواجهة الآلة الحربيّة الوحشيّة وخذلان القريب قبل البعيد، لكنه جاء على غير ما خطط له العدوّ وشركاؤه في الجريمة الإنسانية.
سنتجاوز في هذه السانحة جدليّة النصر والهزيمة، لأنّ الإعلام العبري وخبراء الكيان في الاستراتيجية والشؤون العسكرية قد كفوْنا عبث الكلام الفارغ والانشغال بالردود على المخذلين والحاقدين ومرضى الأيدولوجيا الذين كبُر عليهم الإقرار بانتصار المقاومة، فقد ركنوا إلى الحياة الدنيا، فكرهوا الموت في سبيل الله لأجل الكرامة والوطن.
إنه بانتهاء الحرب الظالمة على القطاع، سرقت المقاومة الباسلة مجددا الأضواء، لتشدّ إليها أنظار المنطقة والعالم بأسره، ومثلما ظلت تصنع صور البطولة النادرة خلال المواجهات المباشرة وغير المتكافئة مع عدوها خلال 15 شهرًا من الإبادة، فقد نجحت مرة أخرى في الانتصار عليه معنويّا وأخلاقيّا وإنسانيّا وسياسيّا بعد وقف إطلاق النار، الأمر الذي زاد من حنق الصهاينة وتأليب الرأي العام الداخلي والخارجي ضد قيادتهم الإجراميّة الحمقاء.
منذ المشاهد الأولى لتبادل الأسرى في ساحات غزة، تفاجأ العدوّ ومؤيدوه من قوة المقاومة التي ظهرت في غاية الانضباط والعُدّة وسط التحام شعبي وحاضنة اجتماعية لم تتزعزع رغم قسوة الوجع، فخرج رجال القسام في أزيائهم الرسمية وفوق مركباتهم العسكرية، ومن حولهم التفت الجماهير هاتفةً بحياة القائد محمد الضيف، تُبادلهم التحايا وإشارات النصر أو الاستشهاد.
وفي العمليات التالية للتبادل، ظهرت رسائل المقاومة بصورة أوضح، عندما ركزت على كل التفاصيل التي لا تطرأ على بال أحد، وهو ما عكسته مراسيم تسليم الأسيرات في أجواء احتفالية عسكرية وشعبية وبروتوكوليّة مُبهرة، كان المستوطنون الصهاينة في الأراضي المحتلة يتابعونها عبر الشاشات، وهم في غاية الدهشة، ولسان حالهم يسأل: ماذا صنع المجنون “نتن ياهو” طيلة 470 يوم؟
لقد قدمت المقاومة، خلال أيام محدودات، كل الإثباتات الميدانية على تماسكها وقوتها وتجددها وإبداعها وأخلاقها، رغم فقدانها في معركة طوفان الأقصى من خيرة كوادرها العسكرية والسياسية ما لم تفقده في سواها، لتؤكد أنها ليست خيار فصيل أو تيار، ولا ردّ فعل عدمي، بل هي حالة فلسطينية واعية ومتجذرة يستحيل استئصالها، والدليل ظهورها بذلك الزخم والالتفاف الشعبي بعد عدوان مدمّر وغير مسبوق في تاريخ فلسطين.
أنْ تفقد المقاومة تباعًا قادتها العسكريين والمدنيين على أعلى مستوى في غضون أشهر، ثم تخرج على الناس بمستوى ما شاهده العالم من تنظيم واستعراضات وصلابة نفسية وتركيز ذهني، فهذا معناه أنها لم تكن يومًا مرتبطة بالأفراد، مع وزنهم الثقيل وأدوارهم الدقيقة داخل هرمها التنظيمي، لكنها عقيدة راسخة وجماعية حتى تتحرر الأرض، وفكرة حيّة في قلوب الفلسطينيين لن تموت باستشهاد حاملي لوائها، لذا سيكون من الحماقة التفكير في عزلها عن وعائها الشعبي، مهما بلغت المناورات والتجييش والتحامل السياسي والإعلامي من الوكلاء العرب للاحتلال الإسرائيلي.
فوق رُكام مساكنهم المُسوّاة بالأرض، وبين قبور شهدائهم المتفرقة في كل مكان، يحتفل الغزّاويّون هذه الأيام بالنصر على جلادهم، مُتسامين على جراحهم الغائرة، والنصر عندهم هو قبل كل شيء كبْح العدو عن سيناريو التهجير وضمّ القطاع لرقعة الاستيطان، ليصبحوا هُم رقمًا آخر في عداد الشتات الفلسطيني، ذلك ما يفسّر صمودهم الأسطوري واحتفاءهم المُذهل بأبطال المقاومة، فكلهم مشاريع شهادة جاهزة في سبيل الحرية.
إنّ الصور العسكرية والشعبيّة التي صدرتها المقاومة للعالم عقب وقف العدوان تجهض كل “مخططات ما بعد الحرب” والتي كان يُراد من خلالها عزل حركة حماس وتنصيب وكلاء الاحتلال المحليّين تحت غطائه المباشر أو عبر إدارة إقليمية مشتركة، لتؤكد للجميع أنه لا بديل عنها في قطاع غزة، فهي من أهلها وهُم منها، وكل دخيل عليها لن يجني سوى الخيبة والعار في سجلات التاريخ.
لقد أسقطت المقاومة بنصرها المجيد، وما كسبته من إقبال شعبي في سياق طوفان الأقصى وآثاره الخالدة، أي شرعية زائفة عن المتحدثين باسم الشعب الفلسطيني والمفاوضين في الكواليس نيابة عنه، من “ساكنة رام الله” المتنعّمين بمزايا سلطة وهميّة، فوق رقعة مبتورة، بلا سيادة ولا سلاح يؤرق عدوّهم، بل إنّ مهمّتهم الأولى وفق اتفاقات السلام الكاذب هي تأمين جانب الاحتلال من خطر المقاومين!
مضى السّنوار وهنيّة والعاروري، ومعهم وقبلهم قادة آخرون كبار على درب الشهادة، لكنّ المقاومة متواصلة بإيمان وعنفوان، ولن يتوقف مسيرها حتى تعود الأرض إلى أهلها، فسلام إلى أرواح الشهداء وتحية إجلال لكل المجاهدين الأشاوس من أهل الرباط.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!