قولوا الحقيقة للشعب!
الوزير عبد السلام بوشوارب هو أول وزير في الحكومة الجزائرية يعترف بأن قطع الغيار التي تستوردها الجزائر من الخارج بقيمة 750 مليون دولار سنويا، تتسبب في وقوع الكثير من حوادث المرور وحصد أرواح آلاف الجزائريين!
هذا أول اعتراف رسمي بالمسؤولية بعيدا عن أسطوانة “القضاء والقدر” التي طالما تستّرت السلطة وراءها، وبعيدا أيضا عن إدانة السائقين بالتهور دوما أو حتى تجريم الضحايا في بعض الأحيان!
كلام الوزير بوشوارب جاء في سياق حديثه عن دفتر شروط جديد يتعلق باستيراد قطع غيار السيارات، علما أن الشفافية التي تحدث بها في هذه المسألة تحديدا، وحتى لا نفرط في التفاؤل، قد لا تكون منهجا حكوميا جديدا بقدر ما تعبِّر عن مجرّد هفوة أو زلة لسان!
الشفافية هي الغائب الأكبر عن عمل الحكومات المتعاقبة في الجزائر، إلى درجة باتت معها تصرُّفات المسؤولين وتصريحاتهم تعاكس الواقع في كثير من المناسبات.. خذ مثلا قضية ندرة الأدوية التي نفاها وزير الصحة، عبد المالك بوضياف، جملة وتفصيلا في بداية الأمر، ثم عاد ليتحدث عن اضطراب في توزيع بعض الأدوية وليس “ندرة”!.. وبين الندرة والاضطراب، عديد المرضى يعانون في صمت، وقد يموتون، وحينها ستحضر نفس الحجة المستعملة لتبرير تزايد ضحايا الطرقات وهي القضاء والقدر!
الجميع يعلم أن بوضياف وضع نصب عينيه ومنذ توليه منصب وزير الصحة، تخفيض فاتورة استيراد الأدوية من الخارج هدفا استراتيجيا، وقد نجح فعلا في السنة الأولى في خفضها بأزيد من 40 بالمائة، حينها باركنا القرار، وغضضنا الطرف عمدا عن تصريحه المثير للجدل حين قال إن الجزائر كانت تستورد تلك الأدوية بثلاث مرات ضعف السعر الحقيقي وتدفع أكثر حتى من تونس والمغرب، فلا أحد سيحاسب طبعا الوزراء ولا الحكومات السابقة، طالما أنه يجوز في البحبوحة ما لا يجوز في زمن التقشف!
لكن “شطارة الوزير” تبيّن في نهاية الأمر أنها على حساب صحة المرضى، وأن القبضة الحديدية بين بوضياف ومستوردي الدواء أو حتى نقابات الصيادلة، سيدفع ثمنها أولا وأخيرا المرضى الذين وجدوا صعوبة بالغة في العثور على أدويتهم!
تماما مثلما يدفع العمال ثمن تعنت الوزير محمد الغازي في رسم الخطوط العريضة لقانون العمل الجديد، إذ قال الوزير مبشرا النقابات هذا الأسبوع إنه سيرسل إليهم نسخا من القانون الذي يتضمن 40 بالمائة من المواد الجديدة، لكن حين تدقق في هذا “الجديد” لا تعثر إلا على “شكليات” تمهِّد لتمرير الثلاثية المقبلة في جو هادئ وبعيدا عن انتقاد المنظمات الدولية!
الوزير الغازي، مثل بوضياف وبوشوارب، يلعب في الوقت الضائع ويقول إنه يشجع الحوار الاجتماعي مع النقابات، لكن وبمجرد رفض هذه الأخيرة نصَّ المشروع، لن يتوانى عن ترديد مقولته الشهيرة: لا توجد في الدستور مادة تفرض علينا التحاور مع النقابات؟ ثم لا نقابة في الجزائر إلا.. الاتحاد العام للعمال الجزائريين، مثلما قال الرئيس يوما!