كارثة.. لكن!
دراسة أو تقرير يُقال إنه عالمي، صنف الجزائر في المرتبة الثانية عربيا، و24 عالميا، من حيث تنامي الجريمة (..)، وبعيدا عن صدقية وواقعية مثل هذا “الإحصاء” أو “الاستفتاء”، فإننا كجزائريين لا ننتظر هؤلاء أو أولئك، لتشخيص واقع هو بالفعل مرّ، لكنه يتعرّض في كثير من الحالات والدراسات “الأجنبية”، إلى التهويل والتأويل، وأحيانا إلى التزييف والتحريف!
صحيح أن مؤشر الجرائم المختلفة، أصبح كارثة مرعبة، والأسباب كثيرة ومتعدّدة، لكن العديد من المنظمات العالمية “الحقوقية” و”الإنسانية” لا ترى الجزائر إلاّ بالعين “العوراء”، ولذلك يكون المشهد دائما سوداويا ومظلما، ولا يُمكن أبدا للعين المغمضة أن ترى بالتالي كلّ ما هو أبيض وثلجي!
القتل، المخدرات، الاختطاف، الاغتصاب، العنف اللفظي، السرقة، الاعتداءات الجسدية والجنسية، هي كلها جرائم، لا تخصّ بدون شك المجتمع الجزائري فقط وحصريا، فقد كنـّا قبل سنوات نتفرّج على هذا الانحراف عبر الفضائيات الأجنبية التي كانت تنقل لنا عنف شوارعها وتفكّكها الأسري، لكن للأسف نجحوا في “تصدير” بضاعتهم إلينا!
كانت أغلب الأفلام والخدع السينمائية، تعلّم كبارنا وصغارنا، رجالنا ونساءنا، فنون العنف والغلوّ والإجرام وتعاطي السموم والإدمان عليها وارتكاب عمليات الاقتحام ونهب أملاك الغير، وصوّروا لنا ولغيرنا من مجتمعات “العالم الثالث”، هذه المشاهد المروّعة على أساس أنها “بطولات” و”قوّة” و”شجاعة” تستحق التقليد طالما إنها قادمة من عقلية “الجندي الذي لا يُهزم”!
نعم، العنف يهزّ مجتمعنا وعائلاتنا وشوارعنا وجماعاتنا وأفرادنا وأحزابنا وجمعياتنا، وللأسف حتى مدارسنا وجامعاتنا ومساجدنا، ولم يعد لـ “كبار الدوار” أيّ كلمة، وقد استقالوا مضطرين غير مخيرين نتيجة تحوّلات أزهقت روح المجتمع بعدما ضربت أخلاقه في الصميم وعزلت قيمه وتفـّهت تربيته، لكن هذا لا يعني بأيّ حال من الأحوال أننا بلغنا مرحلة اليأس!
لو أخضع المختصون ظاهرة الإجرام إلى البحث والتحليل، لاكتشفوا أن من بين مسبباتها الأولى والرئيسية، هي “أسباب خارجية”، بعضها يتعلق بالاحتلال التكنولوجي للأفكار والذهنيات، وبعضها الآخر بالتقليد الأعمى، وبعضها بالسينما والأفلام والمسلسلات غير الخاضعة لرقابة المقصّ، وهذا بطبيعة الحال، لا يُعفينا من تحمّل المسؤولية!
لقد حصل لأفراد وجماعات، ما حدث للغراب الذي أراد تعلم مشية الحمامة، فلا هو تعلمهما ولا هو حافظ على مشيته، ولذلك برز جيل يتعاطى الإجرام عن طريق الصدفة والفضول والتقليد، وفي أغلب الأحيان، فإن المجرم في حدّ ذاته، خاصة القصّر وصغار السنّ، هم كذلك “ضحايا” لمجتمع فقد السيطرة عليهم، فخضع لهم، بدل أن يُخضعهم هو لمكارم الأخلاق واحترام القانون!