كتم الأنفاس
خبر تصويت الجزائر أول أمس، لصالح عضوية المجلس الانتقالي الليبي الجديد في الأمم المتحدة نزل كالصاعقة على رؤوس الكثير من الجزائريين، ليس فقط لأن هذا التصويت تصرف متناقض مع مواقف الجزائر من الوضع في ليبيا كبلد محتل ومسلوب الإرادة والمجلس الانتقالي فيه عبارة عن شرذمة من المرتزقة والعملاء للاستعمار الفرنسي والبريطاني الجديد الذي جاء بهم على ظهور البوارج الحربية..
-
ولكن لأن هذا المجلس أعلن عدة مرات أنه في حالة حرب ضد الجزائر عبر اتهامها باطلا بدعم نظام معمر القذافي بالسلاح والمرتزقة وبإعلان حق ملاحقة أعضاء هذا النظام عندما استقبلت الجزائر بعضا من أفراد عائلة القذافي من النساء والأطفال لأسباب إنسانية محضة.
-
إنه اعتراف لا مبرر له حتى من وجهة نظر الشرعية الدولية ولسببين أساسيين؛ لأن هذا المجلس لا زال لم يبسط بعد سيطرته الكلية على كامل التراب الليبي وبالتالي فهو ليس ممثلا شرعيا لكامل الشعب الليبي بتركيباته الاجتماعية والسياسية، ولأنه جاء نتيجة انقلاب بالتآمر مع جهات أجنبية (فرنسا بالتحديد) فهو، بالكاد، يمثل هذه الجهات.
-
لأن هذا الانقلاب يتنافى تماما مع مبدأ القطيعة مع الانقلابات العسكرية وغير العسكرية في أفريقيا الذي كرسته اللائحة الإلزامية الصادرة عن القمة الأفريقية المنعقدة سنة 2004 بالجزائر وباقتراح من الجزائر والتي يمنع الوصول إلى السلطة باستعمال القوة أو البقاء فيها بالقوة.
-
فلماذا تخل الجزائر بالتزام أساسي وشرفي كهذا وتعترف بكيان مصطنع وغير شرعي حتى الآن وعدواني فوق ذلك يهددها في أمنها الداخلي والخارجي فيما رفضت دول أخرى بعيدة من آسيا أمريكا اللاتينية وإفريقيا هذا الاعتراف وخاصة جنوب أفريقيا ونيجيريا الحليفتان الأساسيتان للجزائر في الدفاع عن مصالح القارة واستقلالها وشرفها؟
-
وهل بقي ثمة غير تفسير واحد لهذا التراجع الحاد والتنازل الذي لا مبرر له، وهو أن تكون الجزائر قد تعرضت لضغط ساحق من طرف عرابي “الثورة” والأوصياء على المجلس الانتقالي من الدول الغربية وخاصة فرنسا التي لم تنظر بعين الرضا للائحة القمة الإفريقية المذكورة منذ الوهلة الأولى لأنها تحرجها في ممارسة سيطرتها التقليدية على مستعمراتها الإفريقية السابقة وتدبير الانقلابات لفرض عملائها في الحكم، فسارعت بُعيْد قمة الجزائر 2004 إلى تنظيم الانقلاب في موريتانيا ووضع الرئيس الحالي على رأس الرئاسة، ثم أقدمت على عزل الرئيس غباغبو في كوت ديفوار، ليس حبا في الديمقراطية والانتخابات ولكن لوضع عميل متحمس على شؤون البلاد، وهو نفس ما يجري في ليبيا اليوم في توسع إلى مستعمرة جديدة وعملاء جدد.
-
ولكن أن ترضخ الجزائر لهذا الابتزاز ويبدي وزير خارجيتها الرعب والذعر الذي أبداه في باريس أمام التهديدات والتخويفات التي أطلقها وزير الخارجية الفرنسي خلال اجتماع باريس الأخير حول دعم ما يسمى الثورة الليبية، فهذا معناه أن فرنسا تملك ما يمكنها من كتم أنفاس الجزائر؟