"الشروق اليومي" تقبض على ظاهرة قرآنية أغرب من الخيال
كفيف يعيش في الأدغال رفقة عائلته ولا عمل له سوى حفظ القرآن
عندما غامرنا إلى عمق ولاية سكيكدة الغابية، لم نكن نتصور أن الأمازون هنا، ولم نكن نتصور أنه يوجد من الناس من طلق الدنيا بعد أن طلقهم الناس ليس لينتقموا من المجتمع ومن أنفسهم وإنما ليعيشوا مع القرآن الكريم حياة أخرى.. كان صعبا أن يقبل الحديث معنا، ولكن بصيرته حتّمت عليه أن يكلمنا ويعطي للقارئ تجربة رجل يعيش بطريقة لا تشبه بقية الناس.
-
أولا نريد أن نعرف من أنت؟
-
- العمري بوشارب من مواليد 1958 بقرية تيزغبان ببلدية أولاد أعطية بسكيكدة، ولكن ميلادي الإداري المثبت في سجلات الحالة المدنية هو 20 فيفري 1961حكم 1964 متزوج وأب لستة أطفال.
-
-
* متى التحقت بمقاعد الدراسة، وكيف فقدت بصرك ومتى؟
-
– التحقت بمقاعد الدراسة سنة 1969 بالمدرسة الابتدائية الولجة بوالبلوط، كنت في بداية عمري أبصر ثم أصابني مرض وبسبب الفقر لم يكن باستطاعتي زيارة الطبيب حيث فقدت بصري وعمري 18 ربيعا، وسنة 1974 طردت من الدراسة بسبب مرضي.
-
-
* كيف، وهل تذكر المدير الذي اتخذ القرار، وكيف كان موقفك؟
-
– المعلم كان يمنعني من الدخول إلى القسم، وأحيانا كثيرة يطردني، وأنا كنت أصر على مواصلة الدراسة، وكنت كثيرا ما أترجاه، لكن في الأخير مدير المدرسة رحمه الله هو الذي كان معلما وفي نفس الوقت مديرا بالمدرسة الابتدائية الولجة بوالبلوط ببلدية أولاد أعطية، قرر في الأخير طردي نهائيا سنة 1974 بكيت بحرقة لكنه تعالى عوض بصري بالذكاء والحواس الأخرى فحاسة السمع قوية جدا والشم كذلك حيث أعرف الأشخاص بحاسة الشم وبقيت لحد الساعة أتذكر تلك اللحظة التي طردني فيها السيد المدير والمعلم ولم أنساها طيلة حياتي، وما زلت أراها مرات عديدة اليوم في منامي حيث أتذكر جيدا أنني كنت أذهب للدراسة فيطردني المعلم فأعاود الكرة اليوم وغدا وبعد غد وبقي جرحا في أعماقي.
-
-
* وماذا فعلت بعد ذلك؟
-
- كما تعلمون، أنا شغوف جدا لطلب العلم، لأنه فريضة على كل مسلم ومسلمة، حيث اعتمدت على نفسي ليستقر القرار على الشروع في حفظ كتاب الله.
-
-
* لكن كيف جاءتك فكرة حفظ القرآن وأنت لا تبصر، ومتى؟
-
– أحد الإخوان وهو محمد بن يوسف بوشارب “رحمه الله” حاصل على شهادة ماجستير في سوريا هو الذي وجهني وطلب مني حفظ كتاب الله، وبالفعل شرعت في حفظه، في البداية استغربت ولكنه شجعني وبدأت في حفظه سنة 1982 واستغرقت المدة 8 سنوات حيث ختمته سنة 1990.
-
-
* بودنا أن تطلعنا عن طريقتك في حفظ المصحف الشريف؟
-
– كنت أحمل مصحفا معي يحتوي على رُبع القرآن وأبحث عن شخص يبصر طبعا، ثم أطلب منه أن يقرأ لي السورة، وفي المرة الأولى اسمعه فقط ليشق لي فيها الطريق ومرتين وفي الثالثة وأكثر خمس مرات أحفظها عن ظهر قلب، ففي ظرف شهر وخمسة أيام حفظت 06 أحزاب، ثم بدأ الثقل علي اقرأ وأراجع لكي لا يفلت مني ما حفظته، ثم للآسف لم أجد من يقرأ لي، صدقني احمل المصحف في جيبي وأخرج للطريق العام أبحث بحرقة عن شخص يقرأ لي لكي أحفظ وأحيانا أعد إلى المنزل خائبا حيث كنت أترجاهم.
-
-
* .. وهل تعتمد على مساعد واحد فقط في الحفظ؟
-
- لا، بل لا أعتمد على واحد، أحفظ السورة عند الأول وأبحث عن غيره متعود على قراءة القرآن لأعرضه عنه لكي يصحح لي فيها الأخطاء إن وجدت وأحيانا لم توجد وإن وجدت فهي قليلة جدا.
-
-
* وكيف تأتي إلى المسجد لأداء الصلوات، هل من شخص يقودك؟
-
- لا أحد يقودني، فأنا أعرف الطريق جيدا.
-
-
* سمعنا بأنك تطمح لتعلم الإعلام الآلي؟
-
– أجل، لكن لسوء الحظ لم أجد بعد من يساعدني، فيا حبذا لو أجد شخصا يساعدني في شراء جهاز كمبيوتر ويشرح لي عن طريق السمع طريقة استعماله لمدة شهر أو ثلاثة أشهر على الأكثر كما في حفظ القرآن.
-
-
* هل ترقي الأطباء النفسانيين والشخصيات السياسية؟
-
– نعم، أكثر من 20 طبيبا نفسيا جاؤوا من عدة ولايات شرقية وغربية كعنابة وقسنطينة والقل وسكيكدة وكذلك أطباء النساء والتوليد وشفوا من أمراضهم بإذن الله، عالجت أمراض العقم بلا حساب ورزقهم الله بنين وبنات، حيث سافروا للعلاج في الخارج دون جدوى، ولكن جعل الله سبحانه وتعالي لهم الشفاء بواسطة الرقية الشرعية وهم يزورونني بانتظام.
-
-
* وهل تشرف على صلاة التراويح في المساجد بما أنك حافظ لكتاب الله؟
-
- لا، بل أصلي فقط ولا أؤم المصلين حيث لم تتح لي الفرصة، وإن منحت لي فلا يوجد أي مشكل.
-
-
* ما هي طريقتك الحالية في استعمال جهاز الكومبيوتر؟
-
– هي اقرب إلى الهاتف النقال، فلمعرفة شيء لم ادخل له هكذا بالتقريب بل بالتدقيق، مثلا هذا الجهاز أتعرف على عدد الأبواب الرئيسية ثم افتح كل الأبواب الفرعية؛ أي أنني أعتمد على منهجية وبواسطتها أسيطر على كل شيء.
-
-
* بماذا عوضت حاسة الرؤية؟
-
– أهم حاسة في الإنسان هي السمع لا البصر كما يعتقد كافة الناس، فإذا ذهب السمع ذهب كل شيء، فكل الأبواب تغلق أي شبه ميت، فأنا أعتمد كثيرا على الشم أحيانا في المشي والسمع، فلو أغلق ادني لم استطيع المشي، فمسلك المنزل الى المسجد امشي فيه بطلاقة، وحقيقة وقفنا على هذه النقطة، فمثلا عندما ادخل الى لمنزل أحس بفراغ، فأعلم بأن ذلك هو الباب الخارجي، اعرف الأشخاص من خلال الحركات وكذلك الجدار، ففي حالة هبوب الرياح لا أستطيع المشي لأنني لم أسمه تقريبا أشبه الخفاش الذي تأتيه ذبذبات صوتية للأذن تترجم للدماغ مباشرة، وهو العصب الحساس .