كل نكبة وأنتم بخير!
وزير الداخلية دحو ولد قابلية محقّ جدّا حين يقول من ولاية البيض المنكوبة بالفيضانات، أنه يتعيّن على المواطنين تغليب الرزانة على الغبينة، خصوصا أن الشعب المنكوب ومن قلّة رزانته في الكثير من المواقف، ساهم في غبن الحكومة الرزينة جدا، حتى بتنا نشعر بالخجل فعلا، لأننا شعب لا يحمد الله على نعمه، ولا يستحق هذه الحكومة التي يُسارع ثلاثة وزراء منها، دفعة واحدة، لنجدة أفراده، وتوزيع السكنات عليهم بالمجان مع تعويضهم عن خسارة المال والأحباب، فأيّ شعب جاحدٍ نحن، وأي حكومةٍ كريمة وغنية هذه؟!
-
الفيضانات قضاء وقدر، صحيح، لكن الحكومة ليست كذلك، وان كان جلّ المواطنين وعشية كل انتخابات، يهمسون بينهم وبين أنفسهم بالدعاء “اللهم إنا لا نسألك ردّ القضاء، ولكن نسألك اللطف فيه”، لكن لا يجب التعامل مع أعضاء هذه الحكومة على أنهم منزّلون من السماء لنجدة المنكوبين على الأرض، هؤلاء الذين لم يكتسبوا بالمناسبة صفة النكبة بسبب الأمطار فحسب، ولا نتيجة الفيضانات، ولكنهم منكوبون منذ الاستقلال الناقص بالحكومات المزوّرة والفساد الإداري، منكوبون بالنهب والسلب وفضائح السلطة والرشوة والمحسوبية واستعمال النفوذ، منكوبون بالثلاثية التي توزع عليهم الفتات في كل اجتماع، وتصوّر العمال على أنهم مجرد متسولين على باب الحكومة الغنية، منكوبون بسبب التلفزيون العمومي الذي تحوّل إلى جهاز فئوي، تبكيه الحكومة والشعب معا، دون تغيير ولا تبرير؟!
-
النكبة يا معالي وزير الداخلية، لا تجعلك تفقد عقلك للحظات، فحسب، ولكن تفقد معها أيضا ما هو أخطر وأفدح من ذلك بكثير، الإحساس بالمواطنة والانتماء، بل وتتجرد من كل حقوقك الآدمية بفعل فاعل، خصوصا عندما تدرك أن الفيضانات التي جرفت معها كل شيء، لم تقع بسبب غزارة الأمطار فحسب، ولكن بجهل مركّب ساهم فيه المسؤولون، وتواطؤوا فيه، حين لا يؤدون عملهم في تهيئة قنوات الصرف ولا بناء الجدران المحيطة بالوديان، ولا في ترحيل العائلات بعيدا عن مصادر الخطر الحقيقي، أو في التحذير عبر نشرات جوية من وقوع كوارث مشابهة.
-
أُعذرهم يا معالي الوزير، لأنهم غضبوا وسبّوا وشتموا الحكومة في حضورك، أو لأنهم غلّبوا مشاعرهم المتطرفة وعواطفهم الغريزية على التصرف بحكمة وعقل، ورزانة أمامك، ربما لأنهم لم يروا في حياتهم وزيرا من قبل، أو حتى واليا، فما بالك حين يفاجؤون بثلاثة وزراء دفعة واحدة من الحكومة الرزينة، هكذا وبدون مقدمات؟!
-
سامحهم يا معالي الوزير، وتأكد أنه لو جُبت هذا العالم شرقا وغربا، جنوبا وشمالا، فلن تعثر على شعب صبور ولا رزين مثل الجزائريين، خصوصا عندما يموت هؤلاء بالعشرات، ويُهجّرون بالمئات، ويجوعون بالملايين، ثم يعتقدون ويصدقون أن جميع ما يحدث لهم “قضاء وقدر”، أو موت في سبيل الوطن؟!