كيف نبني الدولة ولا نقع في حب السلطة؟
بين أن نجعل غاية السياسة عندنا هي تعزيز السلطة أو زيادة الثروة، أو نجعلها ترتقي إلى بناء الدولة وترقية مؤسساتها يَكْمن الفرق بين النظرة الموغلة في تفاصيل الراهن وتلك المتطلعة للمستقبل.. هل غاية كل جزائري حقا، هي البحث عن السلطة والمسؤولية مهما صغرت درجتها، والثروة مهما قلّت قيمتها؟ وهل افتقد حقيقة تلك القناعة بأن عليه أن يُعزّز أركان دولته ويعطي أولوية لمؤسساتها باعتبارها مقنِّنة السلطة والثروة وحامية لهما؟ وما الذي ينبغي تصحيحه إذا كان الكثير يقولون لك اليوم: هي خرافة أن تُحدِّثنا عن وجود مَن يؤمن بأولية الدولة على السلطة والثروة؟
على عكس ما قد يتبادر إلى الذهن لم تعد حالة أولوية حب السلطة والمال واعتبارهما غاية، على حساب حب الدولة ومؤسساتها اليوم مقتصرة على السياسيين وكبار المسؤولين أو رجال الأعمال، إنما عمَّت لتصل إلى أدنى مستويات المسؤولية وأدنى مستويات الثراء، حتى إننا أصبحنا لا نَعلم في أي مكان وجود المسؤول البسيط الذي لا يريد أن يُفرّط في منصبه مدى الحياة، والباحث عن فُتات المال الذي لا يتوقف عن جمعه ولو بالتقسيط، مما أدى إلى تقهقر مسائل هي في الأساس جوهرية لبناء أية دولة أو إنشاء أية مؤسسات مثل التضحية والإخلاص في العمل والتعفف عن طلب المسؤوليات إلا إذا كانت تكليفا مستحقا.
ولعل هذا ماجعل الجميع اليوم لا يرون في كل داع للتغيير أو الإصلاح سوى مجرد باحث عن بعض السلطة أو بعض المال، وما أدى إلى افتقادنا ذلك الإحساس بأنه يوجد بالفعل مَن يعمل لأجل المؤسسات، لأجل الآخرين، لأجل بناء الدولة بأركانها المختلفة.
الكل اليوم في سلة واحدة لا فرق بين هذا أو ذاك، جميعهم، في نظر جميعهم، يبحثون عن مزيد من السلطة والمال ولا أحد يحمل هَم الدولة أو مؤسساتهاـ تلك شعارات يقول لك الكثير لن يخدعنا بها أحد.
هل هذا وضع طبيعي؟ هل يمكن أن نستمركدولة في المستقبل بهذا النوع من السلوك وبسيادة هذا النوع من القيم؟ أم أن مصيرنا سيكون التناحر والتفتت من أجل السلطة والمال إذا ما بقي الوضع على ما هو عليه؟
يبدو لي هذا تخوف رئيسي ينبغي أن نطرحه اليوم وفي المستقبل؟ هل سنفتقد لرجال دولة في العقود القادمة؟ هل سيُلغى مفهوم التضحية من أجل الدولة من قاموسنا السياسي؟ وما مصيرنا بعد ذلك؟
لقد ألح عليَّ هذا السؤال وأنا أستمع لمن يروي أن مسؤولا كبيرا يسأل معارضا تخلى بإرادته عن منصب مسؤولية كبير: وما الذي تريده؟ المنصب وكنت فيه واستقلت؟ المال ولديك ما يكفي؟ إننا لا نفهم ما الذي تريد؟ مختصرا كل الوجود الاجتماعي والسياسي للفرد في البحث عن المنصب أو المال، ناسيا أنه بإمكان هذا المرء أن يكون مِن مَن مازالوا يحملون هَم بناء الدولة وإقامة المؤسسات، بل ونافيا أن يكون هذا الاحتمال واردا من الأساس.
لقد ألح عليَّ هذا السؤال وأنا أستمع لمن يروي أن مسؤولا كبيرا يسأل معارضا تخلى بإرادته عن منصب مسؤولية كبير: وما الذي تريده؟ المنصب وكنتَ فيه واستقلت؟ المال ولديك ما يكفي؟ إننا لا نفهم ما الذي تريد؟ مختصِرا كل الوجود الاجتماعي والسياسي للفرد في البحث عن المنصب أو المال.
ولعل الأمر يكاد ينطبق علينا جميعا، نواجَه بمزيد من السخرية والاستهزاء والتكذيب كل من دعا أمامنا إلى حب الوطن وبناء الدولة والتضحية من أجل المؤسسات لا الأشخاص، ونكاد نجزم أنه لم يبق في بلادنا من يؤمن بمثل هذه المُثل، وكأنها ماتت إلى الأبد أو لم توجد أبدا، وكأننا لم نُضحّ بمليون ونصف مليون من الشهداء لأجلها، وكأننا لسنا سلالة هؤلاء.
بعد عقود قليلة من استعادة الاستقلال، نكاد نتنكر للقيم التي ضحى من أجلها آباؤنا، ونجزم أنه لا وجود لها بيننا، بل ونعيب ذلك على مَن تحدث بها أو عنها في حالة من الجزم المطلق بأننا ـ بلا استثناء ـ نبحث عن السلطة أوالمال أو نريد الجمع بينهما ولا شيء غير ذلك؟
هل مثل هكذا وضع سليم؟ وما هي تداعياته على المستقبل؟ وكيف علينا علاجه؟
لا أتصور بأن الدول القوية اليوم يحكمها رجال أو نساء لا يحبون سوى السلطة والمال، بل إني أراها دول تعكس المعادلة تماما، كل ما تملك من مال أو كل ما يملك قادتها من سلطة إنما هو في خدمة الدولة وليس العكس، وما الأمريكيين إلا أنموذجا لذلك، رغم حبهم الجم للسلطة والمال وشنهم الحروب لأجل ذلك، كل ذلك بالنسبة لهم هو في خدمة الدولة الأمريكية ومؤسساتها، أبدا ما يساومون في ذلك أو يترددون في الدفاع عن ذلك، إدراكهم الواضح أنهم لا شيء بأموالهم وسلطتهم إن لم تكن هناك دولة اسمها الولايات المتحدة أو مؤسسات اسمها مجلس النواب ومجلس الشيوخ والبيت الأبيض والبنتاغون والسي أي أي والقضاء الفدرالي وغيرها من المؤسسات… أي أن القادة الأمريكيين ليسوا فقراء بالمعنى الحقيقي ولا تنقصهم السلطة الحقيقية لأن لديهم دولة وليس العكس.. وكذلك الشأن بالنسبة لباقي الدول القوية عبر التاريخ أو خلال هذا القرن الجاري، أبدا ما كانت كذلك من خلال اقتصار قادتها على حب السلطة والمال ونسيان تعزيز أركان الدولة ومؤسساتها.
لا أتصور بأن الدول القوية اليوم يحكمها رجالٌ أو نساء لا يحبون سوى السلطة والمال، بل إني أراها دولاً تعكس المعادلة تماما، كل ما تملك من مال أو كل ما يملك قادتها من سلطة إنما هو في خدمة الدولة وليس العكس، وما الامريكيون إلا أنموذجٌ لذلك، رغم حبهم الجم للسلطة والمال وشنهم الحروب لأجل ذلك.
ألم يتم إغراء الكثير من المسؤولين في الدول العربية التي هي الآن في حال تفكك بالسلطة والمال مقابل تخليهم عن الإطار الأشمل لدولهم ورموزها؟ ما الذي حدث بعدها؟ السيناريو المعروف اليوم والذي لن ينتهي إلا بالانهيار التام، وهذا الذي ينبغي أن نعمل على تجنبه من خلال تعزيز سلطة مؤسسات الدولة على حساب سلطة أفراد امتلكوا السلطة والمال، والبداية ينبغي أن تكون بالبرلمان المقبل ثم باقي المؤسسات، ليس أمامنا خيار آخر في المستقبل إذا أردنا أن نبقى ثم نقوى…أما الرهان على الأشخاص مهما كانت لديهم من سلطة ومهما كانوا يملكون من مال هو رهان فاشل لا يمكنه إلا أن يؤدي إلى مزيد من الفشل، ولا يمكننا الانتصار عليه إلا بالعودة من جديد إلى القيم العليا للدولة والمؤسسات..