-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

كُفّوا ألسنتكم وأقلامكم عن أصحاب رسول الله

سلطان بركاني
  • 2893
  • 9
كُفّوا ألسنتكم وأقلامكم عن أصحاب رسول الله
ح.م

تداول رواد موقع الفايسبوك، في الأيام القليلة الماضية، باستهجان كبير، مقطعا مصورا لنائب برلمانية جزائرية، لم تجد وهي تتحدّث عن وجوب الكفّ عن أعراض النّاس، وتدعو إلى “ترك الخلق للخالق”، وتُذكّر بأنّ كلّ بني آدم خطّاء، ما تعضد به كلامها إلا أن تستأنس بأخطاء بعض الصّحابة الذين قالت إنّ بينهم أصحابًا وصحابياتٍ “زنوا وأخطأوا وكذبوا وفعلوا كلّ الأفاعيل”!!! وهي العبارة التي حُقّ لها أن تلقى الاستنكار الذي لقيته، لأنّها، ومع إحسان الظنّ بقائلتها، عبارة لا تليق بمقام خير جيل من هذه الأمّة، إن في سياقها أو في كلماتها.

النائب، ربّما لم تنتبه في فورة حماسها وتفاعلها، حتى وجدت نفسها تضرب المثل لواقع يندى له الجبين تعيشه الأمّة في هذا الزّمان، ببعض ما عاشه الصّحابة في العهد الأوّل، وهو التمثيل الذي لم تسعفها فيه عباراتها، وجرّ عليها حملة واسعة من الإدانة، ليست جديدة على الشّعب الجزائريّ الذي مهما بلغ التقصير بكثير من أفراده في دينهم، إلا أنّهم لا يقبلون المساس بجناب أصحاب رسول الله -صلّى الله عليه وآله وسلّم- الذين صدقوا الله ورسوله وأخلصوا في نصرة الرسالة الخاتمة وبذلوا المهج والأرواح في سبيل ذلك، وأثنى عليهم ربّ العزّة –جلّ وعلا- وأعلن توبته عليهم ورضاه عنهم ووعدهم جنّات تجري من تحتها الأنهار، وأوصى بهم الحبيبُ المصطفى -صلّى الله عليه وسلّم- خيرا، ونهى أشدّ النهي عن التعرّض لهم.

أصحاب رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- لم يكونوا ملائكة، وما كانوا منزّهين عن الخطأ، بل قد بدرت منهم أخطاء سجّل بعضها القرآن، ودُوّنت بعضُها في السّنن وكتب السير، لكنّ الحديث عن تلك الأخطاء ينبغي أن يراعِي فيه المتحدّث مقام المتحدَّث عنهم؛ فالصّحابة ليسوا ككلّ النّاس؛ فهم وحدهم القوم الذين زكّى العليم الخبير –سبحانه- قلوبهم ونياتهم.. كانوا –رضي الله عنهم- ينسون ويسهون ويخطئون ولكنّهم كانوا يتوبون من قريب ويرجعون ويُصلحون، لتظلّ أخطاؤهم مغمورة في بحار حسناتهم، ولذلك أوصى الحبيب -صلّى الله عليه وآله وسلّم- بالكفّ عنهم فقال: “لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه” (البخاري ومسلم).. وهذه التزكية التي صدرت عن المعصوم، لم تكن على سبيل المجاملة، إنّما كانت شهادة حقّ نطق بها الذي لا ينطق عن الهوى، في حقّ من صدقوا ونصروا وثبتوا، وفارق من فارق منهم الأهل والأموال والأولاد لينصر دين الله، في زمان عشعشت فيه دعاوى الجاهلية وطغت فيه القبلية والعصبية لدين الآباء والأجداد.

عندما أخطأ الصحابيّ حاطب بن أبي بلتعة–رضي الله عنه- قٌبيل فتح مكّة (8هـ) وبعث بكتاب إلى قومه يحذّرهم قدوم جيش المسلمين، وانتخى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، زجره النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- وقال: “إنه –أي حاطب- قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم”، وهي الكلمة التي تؤسّس لمبدأ الموازنات في الحكم على النّاس، وأصحابُ رسول الله –عليه الصّلاة والسّلام- هم أولى النّاس بهذا المبدأ؛ فليس من العدل أن يُنسى فضل أحدهم –فضلا عن مجموعهم- وجهاده ونصرته، في مقابل خطأ أوقعته فيه بشريته، وباستحضار هذا المبدأ يُعلم انحراف من يجعل التّفتيش عن أخطاء الصّحابة وجمعها وتعظيمها دينا وديدنا.. لا يوجد بين المسلمين من زعم العصمة لآحاد الصحابة أو نفى عن أحد منهم النّسيان والخطأ والوقوع في الذّنب، لكن شتان بين من يغضّ الطّرف عن الأخطاء الصّغيرة أمام جبال الحسنات الكثيرة، وبين من يترصّد الزلاّت ويُعمى عن جبال الحسنات.

في موقف آخر، حينما أخطأ ما عز بن مالك الأسلميّ -رضي الله عنه- ووقع في الزّنا بضعف نفس؛ سارع إلى النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- ولم يزل يلحّ عليه ويدفع عن نفسه الأعذار حتى أقيم عليه حدّ الرّجم، ليخبر الحبيبُ–عليه الصّلاة والسّلام- بعدها عن صدق توبة ماعز، ويقول: “لقد تاب توبة لو قسمت على أمّة لم لوسعتهم”، ويدعو الصّحابة جميعا ليستغفروا له.

هذا ما كان يميّز ذلك الجيل الفريد؛ الخوف من الله، والإخلاص لله في الطّاعة، والصّدق معه في التّوبة من الخطأ والمعصية، وقلّة الأخطاء إلى جانب كثرة الأعمال الصّالحة، وبهذا فضّلوا على أجيال الأمّة كلّها، فلا يقاس بهم غيرهم من النّاس، ولا تساق أخطاؤهم مساق الذمّ والتنقيص، إنّما يُتحدّث عنها –إذا دعت الحاجة- بكلّ أدب مع الاعتذار لهم بأنّ أخطاءهم تلك مغمورة في بحر فضلهم الذي لا يمكن جيلاً من الأجيال بلوغُه، ولا يصحّ أن تُتخذ ذريعة للطّعن فيهم أو للتغطية على الأخطاء والموبقات التي يأتيها المستهترون بحدود الله المصرّون على كبائر الذّنوب وصغائرها في أيّ زمان آخر.. صحيح أنّه لا يجوز أبدا أن نقنّط الناس من رحمة الله مهما بلغت ذنوبهم، ولا يجوز أبدا أن نتتبع أعراض الناس ونسعى في كشف أخطائهم والتشهير بها، لكن في المقابل لا يجوز أبدا التعريض بأصحاب رسول الله لتبرير أخطاء من يصرّ على الخطيئة ولا يتوب منها؛ لا يليق أبدا أن نستشهد –مثلا- بقصّة ماعز بن مالك لتبرير خطأ من يصرّ على مقارفة الزّنا ولا يريد أن يتوب منه، إنّما يُستشهد بها في حقّ من أخطأ وأراد أن يتوب ويتخلّص من ماضيه، في حقّ من تقتله نفسه بالتأنيب، ويريد الشيطان أن يجعله حبيس ذنبه، تتهمه نفسه بالنفاق وتغلق في وجهه باب التّوبة والقبول.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
9
  • فيصل

    لو أن أحدهم علم أن أحد أبويه زنى و العياذ بالله، هل يستطيع ذكر زلته أمام الملأ ليُبرر زنيته و يقول قد فعلها أحد أبوي؟ الجواب طبعا لا حتى مع اعتقاده بعدم عصمته...إذن فكيف بمن هم (صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم-رضي الله عنهم-) خيرٌ من أبويه و منه و منا أجمعين؟
    فواجب التأدب مع الصحابة أولى من ذلك الذي مع الوالدين.

  • عبدالله FreeThink

    من المقصود بكلمة "أصحابي" ، هل كل من عرف الرسول صلى الله عليه وسلم، أو عاش معه لفترة في المدينة أو في مكة ، أصبح صحابيا؟ ... فمن اهل المدينة كان هناك منافقون .. أليس كذلك ؟ ...ألم يحن الوقت بعد لنعلم من الصحابي من غير الصحابي ، هل مجرد الكلام أو المعرفة برسول الله لفترة معينة ورفقته أصبحت صحبة ؟ وماهي درجات الصحبة ؟ وماهي شروطها ...هذه أمور مبهمة لايتكلم عنها الشيوخ ... هناك من عرف الرسول صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة وكان من المؤلفة قلوبهم ، فهل هم ايضا صحابة ؟ ، من الذين قصد بهم الرسول صلى الله عليه وسلم "أصحابي" ، هل هم المقربين منه ، أو عامة من عرفهم جميعا . (كل الجيل) ؟

  • خالد

    أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)

  • خالد

    لقد دلت السنة النبوية المطهرة على تحريم سب الصحابة والتعرض لهم بما فيه نقص وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من الوقوع في ذلك لأن الله – تعالى – اختارهم لصحبة نبيه ونشر دينه وإعلاء كلمته، وبلغوا الذروة في محبة النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا له وزراء وأنصاراً يذبون عنه وسعوا جاهدين منافحين لتمكين الدين في أرض الله حتى بلغ الأقطار المختلفة ووصل إلى الأجيال المتتابعة كاملاً غير منقوص، ولمقامهم الشريف ولما لهم من القيام التام بأنواع العبادات، وصنوف الطاعات والقربات جاءت النصوص النبوية القطعية بتحريم سبهم وتجريحهم أو الطعن فيهم والحط من قدرهم ومن تلك النصوص:

  • جزايري حر

    ماذهب إليه كاتب المقال هو عين الصواب ، فصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ولنصرة دينه كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه** أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على الهدى المستقيم، والله رب الكعبة)**

  • رشيد الراشد

    لا لا يا سيدي فهما كانوا فهم بشر يصيبون ويخطؤون مثل كل البشر والإنسان خطاء بطبعه

  • جبريل اللمعي

    كان شعبنا في معزل عن مثل هذه الموبقات إلى أن هبت علينا ريح شرقية عبر التواصل الاجتماعي مصدرها قطيع ممن لهم جرأة عجيبة على دين الله تعالى، يتكسبون من مخالفة كل ما ثبت عند الأمة من تفسير وحديث وتاريخ.

  • العمري

    "نجن لسنا ملائكة ، نحن بشر نخطئئ، حتى أصحاب الرسول أخطِؤوا". هذا ماقالته البرلمانية وهو كلام منطقي وواقعي .هي لم تسب ولم تهن أحدا ،أوردت واقعا معروفا لدى الجميع. لا أعرف لماذا ندين ذكر مثل هذه الوقائع .يبدو أن هناك إحراجا لأن هذا يتعارض مع النظرة المثالية التي نريد إضفاءها على التاريخ الاسلامي وخاصة العهود الاولى. المسلمون بشر (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) يخطؤون ويصيبون وخير الخطائين التوابون صحابة كانوا أو افراد عاديين، هذه تعاليم الاسلام الحقة وليست التأويلات الداعشية والتكفيرية التي يروج لها اليوم .

  • محمد قذيفه

    (أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين )