لا ربيع في الصحراء
بينما تعيش الكثير من البلدان العربية موجة من التغييرات أو الاضطرابات التي تهدد الأنظمة القائمة، تواصل المملكة العربية السعودية مشوارها وكأن شيئا لم يحدث، بل وكأنها خارج التاريخ. ولم تتأثر المملكة لا بسقوط حسني مبارك في مصر، ولا بالمواجهات في سوريا، ولا بسنة كاملة من الاضطرابات في اليمن المجاور.
- وقد سجلت بعض الاضطرابات في السعودية، حيث أعلنت وزارة الداخلية أن اشتباكات بين قوات الأمن ومتظاهرين في شرق البلاد خلفت أربعة قتلى نهاية نوفمبر، كما تسجل اشتباكات مع مجموعات مسلحة عدة مرات في السنة. وتنسب المظاهرات عادة إلى الشيعة، بينما يتم توجيه أصابع الاتهام إلى مجموعات جهادية، وخاصة ”القاعدة”، في المواجهات المسلحة، لكن كل هذا لا يهدد استقرار المملكة، ولا يؤثر بصفة ملحوظة على الحياة السياسية في البلاد.
وقال دبلوماسي عاش مطولا في السعودية إن المملكة لا تتأثر بالاضطرابات إلا في حالتين، لما يتعلق الأمر باضطرابات خلال موسم الحج، لأن كل الأنظار تكون موجهة إلى البقاع المقدسة، مما يؤثر سلبا على صورة المملكة، أو اضطرابات يمكن أن تهدد إنتاج النفط. لكن لحد الآن، لم تسجل أبدا اضطرابات أثرت على إنتاج النفط في البلاد، مما يؤكد أن السلطات السعودية تتحكم جيدا في الوضع.
ولم تكتف السلطات السعودية بالتحكم في الوضع الداخلي، بل ذهبت إلى أبعد، حيث لعبت دورا في البحث عن حلول لعدد من الأزمات. وقد وافقت على استضافة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، مما سمح بفتح الباب أمام حل للأزمة التونسية، قبل أن تلعب دورا أساسيا في تسطير حل للأزمة اليمنية. وتواصل السعودية جهودها للبحث عن مخرج للأزمة السورية، ولعلها البلد الوحيد الذي بقي له تأثير ويمكن أن يساهم في الخروج من المواجهة الدموية التي تتواصل في سوريا.
وتبني السعودية هذا الاستقرار على ثلاث ركائز أساسية، أولها العامل الديني، الذي يشكل المرجع الأول للبلاد. ويتمثل العامل الثاني في شرعية العائلة الحاكمة، التي تحظى بشبه إجماع وطني، ولا يطعن في شرعيتها إلا القليل، رغم الانتقادات الموجهة لبعض توجهاتها مثل السياسة الخارجية.
أما العامل الثالث، فإنه متعلق بحرص العالم كله على استقرار السعودية… وتحظى السعودية بحماية خاصة من كل بلدان العالم لأنها المصدر الأول للنفط، ولا أحد يستطيع أن يغامر ليهدد استقرار هذا المخزن الأساسي للمحروقات. ورغم تحفظهم على طبيعة الحكم في السعودية، يبقى قادة كل البلدان الكبرى متخوفين من أي عامل يهدد استقرار المملكة. وفي كل الظروف، تبقى العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة قوية ومتميزة، حيث تسهر أمريكا على استقرار السعودية التي توفر لها جزءا أساسيا من الطاقة التي تستعملها.
كل هذا لم يمنع الملك عبد الله من اتخاذ إجراءات يقول البعض إنها رمزية، لكنها مهمة بالنسبة لبلد مثل السعودية. وقد قرر الملك فتح مجال المشاركة للنساء في المجلس الاستشاري، وقرر حق التصويت للنساء في الانتخابات المحلية ايتداء من سنة 2015. وفي نفس الوقت، فرض الملك عبد الله فتح جامعة علمية تقبل فكرة الاختلاط ولو بنسبة ضعيفة. أما في الميدان الاجتماعي، فقد قررت الحكومة مساعدات إضافية بقيمة 30 مليار دولار سنويا لمدة خمس سنوات، أي بمعدل ألف دولار سنويا لكل مواطن.
لكن رغم كل هذه الاحتياطات، فإن خطرا جديدا بدأ يلوح في سماء المملكة السعودية. إن الخطر ليس متعلقا ببعض الظواهر مثل الاحتجاج ضد منع النساء من سياقة السيارات، ولا من تيارات ديمقراطية تكاد تكون منعدمة، بل لأن السعودية فتحت نافذة جديدة وخطيرة. فقد قال الأمير تركي، وهو مسؤول سابق للمخابرات، إن بلاده تفكر في الحصول على السلاح النووي. وأكد بداية الشهر الحالي أن بلاده تجد نفسها بين إسرائيل التي تكسب السلاح النووي، وإيران التي تستعد للحصول عليه، ولا يمكن للعربية السعودية أن تبقى مكتوفة الأيدي أمام هذا الوضع.
وسيفتح هذا الخطاب مجالا أمام أقوى اللوبيات في العالم، تلك التي استطاعت لحد الآن أن تمنع البلدان العربية من التحكم في التكنولوجيا النووية. وقد أكدت تلك اللوبيات قوتها مرارا، وهي تدعو اليوم إلى نزع السلاح النووي من باكستان، وتدعو إلى حرب ضد إيران لمنعه من دخول دائرة البلدان التي تتحكم في السلاح النووي.
وإذا أكدت السعودية رغبتها في هذا الاتجاه، فإنها ستواجه حربا من هذا اللوبي، كما ستواجه كل الوسائل التي تمنعها من هذا الهدف، بما فيها ضرب استقرار البلاد، حتى ولو تم ذلك عن طريق وصول “الربيع العربي” إلى صحراء الربع الخالي… اللهم إلا إذا كانت السعودية تستعمل هذا الخطاب لا للحصول على السلاح النووي، إنما لتطلب من أمريكا أن تهاجم إيران فقط…