لا تغضبوا..!
نقل لي أحد الأصدقاء، أن بعض الأطباء المضربين في المستشفيات، “زعفانين عليك”، لأنني “متهم” حسبه/ أو حسبهم، بقصفهم بدل إنصافهم في احتجاجهم الطويل، وذلك في عمود سابق!
قبل أن أسمح لقلمي بالردّ الجميل، أعتقد أننا لم نعد نقبل انتقاد بعضنا البعض، حتى وإن كان الناقد محقا بشهادة بعض المتعرّضين للنقد البناء.. وهذا المرض والعياذ بالله، أصاب فئات واسعة من المجتمع، فكلّ طرف يُعطي لنفسه الحقّ في نقد الآخر، لكن عندما ينتقده غيره ينتفض وينفجر!
صحيح، ربما انتقدنا تداعيات الإضراب المفتوح للأطباء المحترمين، لكننا نقلنا معاناة المرضى وتعذيبهم في المستشفيات بسبب هذا الإضراب، وحتى بدون إضراب، فهل الدفاع عن حقّ المرضى في الرعاية والعلاج، هو من باب “قصف” أطبائنا الذين نكنّ لهم كلّ الاحترام والتقدير؟
الغاضبون، “غاظهم الحال” بسبب الدفاع عن المرضى، وهو ما قرأوه بأنه ضدهم، أي أنهم يتعاملون مع من لا يُساندهم مباشرة، بمنطق “من ليس معي فهو ضدّي”، وهذه المقاربة لا تخدم دون شك، أيّ طرف، ظالما كان أو مظلوما، غالبا أو مغلوبا، رابحا أو خاسرا!
الأطباء أو غيرهم من المستخدمين في قطاعات أخرى، كالتربية والإدارة والتعليم العالي، وغيرها، لهم نقابات تدافع عنهم وتسمع صوتهم وتكسر جدار الصمت، لكن من يُدافع عن المرضى والتلاميذ وغيرهم من الشرائح التي لا ترى أمامها سوى وسائل الإعلام لـ”تبريد قلبها” وإفراغ شحنة الغضب واليأس والإحباط التي تسكنها نتيجة عدّة أسباب؟
هذا، لا يعني بأيّ شكل من الأشكال، أن المريض أو التلميذ، أو غيرهما، من “ضحايا” الإضرابات، لا يُمكن لهما أن يقعا في الأخطاء والتجاوزات والانحرافات، لكن الدفاع عنهم، لا يجب أن يُفسّر بأنه معاداة للجهة المضربة، في قطاعات حيوية وحسّاسة، من الطبيعي أن تتسبّب حركات الاحتجاج بها، في خلل و”هبل”، حتى وإن كانت المطالب موزعة بين عسل وبصل، غير أن استمرارها عبر الزمان والمكان بوسعه أن يقلب السحر على الساحر، ويُسقط ضحايا أبرياء لا علاقة لهم بطرفي النزاع في الإضراب!
لقد انتقدنا الجهة أو الوزارة المعنية بإضراب عمالها، سواء في الصحة أو التربية، كما لم ننف أو نخف “مشروعية” بعض المطالب المهنية والاجتماعية هنا وهناك، فلماذا يهلّل بهذا الشأن “المنتفعون”، ويغضبون عندما يضع الواحد يده على جرح ومعاناة المواطن البسيط المغلوب على أمره؟
سعة الصدر، والحكمة، والتعقّل والحوار، والتبصّر، وأحيانا “التنازل” أو التأجيل، هو أسرع طريق وأضمنه لتحقيق الرغبة بأقلّ التكاليف، ودون أن يدفع الأبرياء ثمن الفاتورة!