لغةُ جيلٍ… علينا فهمها
في الوقت الذي تغرق الطبقة السياسية في مشكلاتها الشخصية، وفي تصريحات بلا هوية ولا هدف، أريد أن أُعلِّق على العلاقة بين مشهدين متناقضين يكونان قد مرّا بكل واحد منا، إلا على هؤلاء الغارقين في مشكلات الدار الكبيرة:
المشهد الأولى: شباب يغلق الطريق لأجل تحقيق مطالب اجتماعية.
المشهد الثاني: شباب يُعلِمُ بعضه البعض بأنه قطع الطريق في هذا المكان أو ذاك عبر الجيل الثالث من انترنت ويُرسل صورا فورية لمجموعاته المشكّلة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
عند التحليل الجزئي لا تبدو لنا علاقة مباشرة بين المشهدين، فما بالك بما يجري من حديث “خارج الموضوع” على مستوى الطبقة السياسية، إلا أن التحليل الكلي يقول في الواقع بأننا أصبحنا نعرف مجتمعين ولغتين في بلادنا:
مجتمع يسمي نفسه بالسياسي، منفصل عن واقع التحول الحاصل على الصعيدين الاجتماعي والتكنولوجي، غارق في حديث العجائز، لا يفهم إلا لغة واحدة هي النار والدخان وقطع الطريق، ولا يعير أية أهمية للإشارات الحاملة للمستقبل من خلال أشكال تعبير أخرى سياسية واجتماعية، بل ويعتبرها لاحدث إن كانت ذات طبيعة تكنولوجية.
ومجتمع يُصنَّف ضمن غير المهتمين بالسياسية رغم أنه يمارسها بلغتين مختلفتين ومتكاملتين: لغة موجّهة إلى من يعتبرهم “معتوهي” الطبقة السياسية تقوم على الحرق والنار والدخان وقطع الطرق، ولغة يتحدث بها إلى بعضه البعض من خلال التكنولوجيا الرقمية المتوفرة إلى حد الآن.
من خلال الأولى يدفع “حاكميه” إلى الاستجابة لمطالبه باعتبارهم لا يفهمون سوى هذه اللغة، ومن خلال الثانية يجنّب نفسه الوقوع في الانسدادات التي قد تقع، ويفتح لنفسه مخارج جديدة تُجنبه دفع الثمن بطريقة أو بأخرى.
وهكذا يبدو لنا تفوّق هذا الجيل على حاكميه الذين أصبحوا لا يفهمون إلا لغة واحدة.
وينكشف لنا الانسداد السياسي الواقع اليوم في عمقه قبل شكله، انسدادٌ بين أسلوبين في الممارسة والتفكير، وبين لغتين تتجاوزان لأول مرة الفرق التقليدي بين شكلي التعبير (عربي ـ فرنسي)، إلى شكلي لغة جديدين: لغة لا تعير أية أهمية إلا للقابل للاحتراق، ولغة تتجاوز ذلك إلى الاستخدام الواسع للتعبير الرقمي، إنْ بالصورة أو الصوت أو نشر المعلومة.
هل نحن في مستوى إدراك دلالات الفرق بين اللغتين؟ أم يبقى كلٌّ حبيس لغته إلى حين ينقطع كل اتصال؟ يبدو أننا، بحق، في حاجة إلى قراءة أخرى لواقع الاتصال ببلادنا، طبعا إذا أردنا أن نهزم اليأس، ونحيي الأمل.