“لقِّحوا” الحكومة أوَّلا!
السلطة لم تستطع إقناع المواطنين بحملة تلقيح بسيطة من أجل صحَّة أطفالهم، فكيف يمكنها إقناعُهم بالمشاركة في الانتخابات أو في أيّ أمر آخر أكثر تعقيدا؟!
يبدو أن الثقة بين السلطة والمواطنين، وبعدما كنّا نصِفها بالمهزوزة طيلة سنوات سابقة، أصبحت شبه منعدمة في ظلّ غياب خطاب واضح أو تنسيق بين أعضاء الحكومة ولا حتى رغبة جدّية في التواصل مع الشعب، ما عدا في المناسبات التي لا تخرج عن سياق الانتخابات ومواسم التطبيل والتزمير!
كنا نعتقد أن السلطة تتبع أسلوبا قديما في حلّ المشاكل المستعصية، لكن وفي ظل أزمات عديدة وقعت مؤخرا، تبَّين أنها تفتقد كل الأساليب والحلول، قديمة كانت أو جديدة، بدليل أننا في السبعينيات والثمانينيات وفي عصر الإعلام الواحد والحزب الواحد، كانت عمليات التلقيح المدرسي تسبقها حملاتُ توعية وإرشاد، لكن في عصر السماوات المفتوحة باتت الحكومة معزولة، منفصلة، تخاطب المواطنين من برج عاجي، وعاجزة عن إقناعهم بأخذ “تشكّة” لمعالجة “بوحمرون”!
حين يصرِّح نقيب ممارسي الصحة العمومية بأن وزارة عبد المالك بوضياف لم تتصل بهم من أجل التنسيق قبل حملة التلقيح، نتساءل: مع من نسَّقت الوزارة إذن؟ هل نسَّقت مثلا مع اتحاد الفلاحين أم نقابة الفنانين؟!
الأدهى والأمرّ، أنه وبدلا من أن يخرج المكلف بالاتصال في وزارة بوضياف بتوضيح يُطمْئِن المواطنين حول صحَّة أطفالهم وبأنَّ التلقيح لن يؤذي أحدا حتى لو وقعت مضاعفات، وأن مراقبة الأطبَّاء لن تتوقف بعد العملية، خرج ليتَّهم أطرافا دون أن يسمِّيها بـ”تسييس القضيَّة واختطاف الأطفال رهينة لصالح صراعات مجهولة”؟!
أإلى هذا الحدّ بات الخطاب الرسمي باليا وبائسا في البلاد؟ نخشى ما نخشاه أن يخرج مسؤول من الحكومة متهما “الأيادي الخارجية” كالعادة بالوقوف وراء خوف المواطنين من التلقيح، حينها سنتحوَّل إلى أضحوكة عالمية وليس محلية فقط!
حتى الأطبَّاء، تجرّد بعضُهم من روح المسؤولية، واتَّبعوا سياسة “تخطي راسي وتفوت”؛ إذ سمعنا طبيبة تقول للصحفيين: “من أراد تطعيم أبنائه فمرحبا، ومن لم يرغب، فتلك مسألة شخصية”!
على نقابة الأطبَّاء أن تشرح حملة التلقيح وتُطَمْئِن الأولياء، وعلى وزارة بوضياف أن تنزل من برجها العاجي، وتتوقف عن “استغباء” الناس، خصوصا أنّ لها سوابق في اغتيال الثقة بين المواطنين والحكومة عموما، وجميعنا يذكر هنا قضية اللقاحات الموجَّهة إلى الرضع والوفيات التي وقعت دون أن يتم الكشف عن نتائج التحقيق في الفضيحة. بالمختصر المفيد، قبل أن نفكر في تطعيم أبنائنا ضد الأمراض، علينا التفكير أولا في تلقيح الحكومة وتنقيحها!