لماذا كتبتُ عن حُكم عبد الناصر والبعث ؟
بدأت رحلتي مع الكتابة، في أواخر عام 1999، بتعليق كتبْتُه حول «شهادة حسين الشافعي على العصر»، وأرسلته بوساطة الفاكس إلى جمع واسع من الأصدقاء. استوقفني كمّ التعليقات الوافدة، على تنوّع ردودها، لكن قاسمها المشترك كان طلب مواظبتي في التعليق على مسائل التاريخ. أنصتُّ إلى الطلب، ثمّ رحت أتمدّد في التعليقات من حقل التاريخ، إلى قضايا الشأن الجاري، وتحديدًا التعليق على كتابات غربية تناولت الشؤون الكونية، والعربية منها خصوصًا. لم أكُ بعد على مراس بالإنترنت، فكان الفاكس سبيل التواصل، ما أرهق جهاز السكريتارية في مكتبي بقسم الأشّعة، ولا سيما أنّ الإرسال بات إلى أكثر من مئتي عنوان، والتلقّي – الردود – ليس بقليل. تكيّفتُ مع التغيير، في عام 2002، وبدأتُ أعتاد استعمال البريد الإلكتروني بديلًا من الفاكس ومشقّته.
والحال أن ثلاثة عشر عامًا مرّت وأنا في عزّ عملي كاختصاصي أشّعة، 7/24، وبمعدّل قراءة 100 حالة في اليوم، فضلًا عمّا يجب أن أُجريه بنفسي من اختبارات وفحوص؛ وفي الوقت ذاته، أتابع قنوات الأخبار التلفزيونية، ثم بين فينة وأخرى ألتفت إلى اللابتوب كي أرسل رسالة أو أكثر، تعليقًا على مقالة أو خبر استحقّ. ثابر ذلك على إذهال من حولي، فأدمنوا التعجّب، كيف لم يحتّ ذلك من نوعية الأداء أو حسن تدفّقه، مثلما بات سؤال متلقّين؛ من أين يجد صاحبنا الوقت كي يقرأ ويعلّق وهو الغاطس في لجّة العمل آناء بعض الليل وأطراف جلّ النهار.
على مدار معظم العقد السابق لتقاعدي الجزئي، في صيف عام 2012، لاحظت كيف نمت ثقة المتلقّين بما أُرسل؛ فبلغت حدّ توجيه الاستفسارات والأسئلة، وافتقاد الإرسال في حال المرض، ما جعلني أشعر بتعاظم المسؤولية من جهة، وبواجب تقنين أدائها من جهة أخرى.
الأكيد، أن ما عزّز تلك الثقة كان تفاعلي المكتوب مع سلسلة «تجربة حياة»، في قناة الجزيرة، لمحمد حسنين هيكل، خلال الأعوام 2004 – 2010. الراقي في الأمر، أن هيكل تعامل مع تعليقاتي الغزيرة بأريحية، وصلت إلى حدّ أنه قال علنًا في مجلس طلال سلمان في جريدة السفير اللبنانية، في ديسمبر 2013، إن من بجانبي هو من أثق في تصحيحه وتعليقاته على ما كتبت وقلت؛ مشيرًا إلى العبد لله الفقير ببنانه.
كما حفلت عشريتا القرن الأوليَين بمقالات عدّة لي في السفير والقدس العربي والأخبار، وفي دوريتَي المستقبل العربي ودراسات مستقبلية، إضافةً إلى نصوص قُدّمت أمام عدد من دورات «المؤتمر القومي العربي»، كذلك اللقاءات الفضائية: في الجزيرة في العشرية الأولى، وفي الميادين – غالبًا – في العشرية الثانية؛ ما أفضى كلّه إلى مراكمتي مزيدًا من الثقة والخبرة.
قضيت الأعوامَ الفاصلة بين التقاعدين الجزئي والكامل، بين عامي 2012 و2019 بين بيروت وواشنطن. صحيحٌ أن بذور الميل إلى تحرير الكتب نمت على مهل عندي خلال تلك الفترة، وعزّزتها دعوات متلقّين، من أصدقاء ومعارف، لقيامي بذلك؛ لكن الانصراف إلى جهد كهذا اقتضى تفرّغًا بالتمام. تبلور الأمر لوجستيًا خلال انحباس المنازل في الشهور الثلاثة الأولى من عاصفة «الكورونا» (2020)، فبدأتْ خربشات ما في البال من مادّة ترتسم على السطور، مغمّسة بسؤال لمن أكتب؟ لم يطل عليّ الجواب: إنه لأجيال عربية عدّة. وفد في إثره سؤال عمّا احتاجت تلك الأجيال إليه؛ فأتى الجواب: زيارة جديدة لتاريخ عربي. ما المقصود بذلك تحديدًا؟ قراءة جديدة لتاريخ ما بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، مع التركيز على أقنومين: عبد الناصر والبعث. لماذا؟ لقد حرّكني ذاك الصوب ما حفلت به الكتابة عنهما بما شوّش، فائضًا بقناطير على ما بيّن؛ فلكم حفل تأريخ حوليات القرن المنصرم بالمنقوص والغائب والمنحول والمزوّر، فضلًا عن الصحيح، ما جعل التيه ديدن الحال. فاقم من خطورة الأمر فوضى وسائط التواصل الاجتماعي بما عجّت به من ترّهات وأكاذيب. وكم استوقفني خلال سنوات إقامتي، غير الكاملة، في بيروت، بين أواخر كلّ من عامي 2013 و2019، ضعف معرفة وفرة من الناس، من أجيال مختلفة، بتاريخهم، مثلما وجدت الحال نفسها في زياراتي دمشق وعمان والقاهرة والخليج.
بعد البداية البتراء، في ربيع عام 2020، عدتّ بتركيز مجدّ وجادّ إلى الانطلاق بها طولًا وعرضًا طوال شهور «دبي» الأربعة، بين شتاء 2021 وربيع 2022، ثم بعد العودة إلى واشنطن في أواخر صيف الأخير، ليكتمل النصّ عابرًا ثلاثة كتب في ربيع عام 2023.
الكتابان الأول والثاني، عبد الناصر كما حكم، ضمّا عشرين فصلًا؛ الكتاب الثالث، البعث كما حكم من أحد عشر فصلًا. لنذهب إلى بعض تفصيل: لماذا عشرون فصلًا عن ناصر؟ لمحورية دوره الفارقة؛ فتراني وازيتُ بين تحقيب مرحلته، من جهة، وخصِّ جهات وأحداث بعينها لخصوصية العلاقة بينها وبينه، أضف إلى تناول شخوص أدّوا أدوارًا وازنة في حياته بإسهاب، ثمّ تعليقات على ما عدّيته من أبرز ما نُشر وأنتج حوله، ناهيك بمستوجب إضافة حول أنور السادات سلمًا وحربًا. أمّا عن البعث، فهناك العراقي بأطواره الثلاثة: عام 1963 وأحمد حسن البكر، وصدام حسين، ناهيك بخلفية ما قبل عام 1963، وبالفاصل بينها وبين فترة البكر؛ ثم هناك السوري، بأطواره الثلاثة أيضًا: (1963 – 1966)، (1966 – 1970)، ثم (1970 – 2000)، أضف إلى مسألتي اللجنة العسكرية وحرب عام 1967، ناهيك بنقد سرديات ثلاث مكتوبة عن البعث.
إذًا، ما الذي أعانني في أداء ما عدّيته مهمّتي؟ الكثرة الواسعة من معارف وأصدقاء نمَّيتها في إطار «المؤتمر القومي العربي»، عبر الأعوام بين عامي 2000 و2015، ومزاوجتها بالتعرّف إلى/واكتساب ثقة، شخوص أدّوا أهم الأدوار في تاريخ بلدانهم، بل وفي تاريخ العرب في العموم.
لكن أمانة الذكر اقتضت الإشارة إلى أن أول عهدي بالمصادر عالية القيمة كانت وأنا في الرابعة عشرة من العمر، حين تعرّفت عائلتي إلى عائلة جارة، في منطقة فيلات المزة الغربية في دمشق، على رأسها اللواء محمد النسر، أحد موقّعي اتّفاق الوحدة السورية – المصرية في عام 1958، مع عبد الناصر. وعلى مدار عقد من الزمان – حتى الهجرة – صبّ الرجل الفاضل، عليه رحمة الله، كلّ ما في جعبته من معلومات سياسية، كبيرها وصغيرها، عندي؛ زوّادة من معين. لمَ كان هضمي لمعطياته يسيرًا؟ لأن فترات مصيف بلودان – ومعظمها سابقة على الانتقال من حيّ القطاع إلى فيلات المزة – بصحبة الوالد – إن لم يكن في فلسطين – أم أخو جدي لأمي – محمد علي السراج – في غيابه، عنت الاستماع، في قهوة عقيل، وعلى قرقعة زهر الطاولة بين اثنين من الحضور، إلى معارف لهما ضمّوا: عبد القادر سلطان وعوض العامري ونزيه المؤيد العظم وسعاد العظم ومصطفى الشماع، وأحيانًا زكي الأرسوزي، إضافةً إلى حماي مجاهد الجندي.
تلك كانت سنوات النشأة: 1961 – 1968، وفيها غرفت من مناهلهم الكثير. وذلك كله على خلفية اتّخاذ مجلّات المصور وآخر ساعة وروز اليوسف، سُمّارًا مذ كنتُ في الصف الثاني ابتدائي، أي في عمر السادسة. خلال المرحلة الثانوية، صارت مجلّات الطليعة والكاتب وحضارة الإسلام والمعرفة والعربي ومواقف والمجلّة والهلال واجب اليوم، ثم عند البرزخ بينها وبين الجامعية، دخلتُ حديقة الكتب من أبوابها ونوافذها بشهيّة لا تُغالَب، ولبثت فيها حتى تاريخه.
منذ تلك السنوات البعيدة وفضيلة القراءة قد لازمتني، اللّهم باستثناء سنوات الاسترقاق التدريبي الخمس: 1976 – 1981 وحتى نيل شهادة البورد في التشخيص الشعاعي (في عمر التاسعة والعشرين، أمر غير مسبوق وأشكّ في أن يكون ملحوقًا في تاريخ البورد الشعاعي الأمريكي) والخروج إلى العمل، في صيف عام 1981. وعلى الرغم من مشقّته، كما أسلفت، إلّا أنني كنت دومًا أخترع وقتًا – ولا سيما في فترة نهاية الأسبوع – كي ألتهم كتابًا أو يزيد. مزاوجة تلك الخلفية مع معارفي خلال العشرية الأولى شقّت الدرب لعشرات المحاورات المضيئة على زوايا ظليلة من التاريخ العربي المعاصر.
والحال أنني سعيت ما وسعني الجهد والطاقة لتلافي تكرار ذكر وقائع، لكن طبيعة المادّة، على الرغم من تنوّع فصول مقاربتها، فإنها منعت سدّ الباب بالتمام. كيف تلافيت المطبّ؟ بأن اقتصرت على وجيز الذكر في مكان، ثم أحلت القارئ إلى المكان الأوثق صلةً بالموضوع.
أودّ الإشارة إلى عسرة إحالة أيّ من بنود المادّة إلى مصدر محدّد، أكتابيًا كان أم شفويًا، وذلك لاختلاط الأمشاج بطريقة أعاقت التشريح والفصل، والتأكّد من نسب هذا إلى ذاك بيقين. وبناء عليه، فقد اكتفيت بقائمة المصادر المكتوبة الرئيسة ذات الصلة، إلى جانب الشخصيات المشافَهة. في المقابل، قمت باستدخال نصوص بعينها في الكثير من أماكن السياق: أقوال لعبد الناصر وثلّة من معاونيه (زكريا محيي الدين وعلي صبري وأنور السادات وصلاح نصر وشمس بدران)، ومنها شهادات موثّقة لأمريكيين أدّوا أدوارًا في الوطن العربي، ومنها مواد أرشيفية… مسرّجة كلها في مطارحها داخل صلب المتن.