-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
رؤية استشرافية من أجل الجزائر

لنتفق حول المستقبل

لنتفق حول المستقبل

لا يمكن أن يَدَّعي أحد اليوم أنه يمتلك بدائل سحرية لحل مشكلاتنا المختلفة في المدى القريب أو ضمن حدود المستقبل المباشر. لدى كافة الجزائريين قناعة، هي في الغالب غير معلنة، أنه ينبغي ترك الأوضاع تسير على ما هي عليه الآن والعمل بصبر وثبات وبصيرة وأفق واسع ضمن الآجال المستقبلية متوسطة وبعيدة المدى لتمكين بلدنا من أن ينتقل إلى مستوى جديد من التنمية والتماسك الاجتماعي والسياسي… يكون شعار هذه القناعة: بدل الاختلاف حول الماضي، والتناحر حول الحاضر، لنتفق حول المستقبل…

هناك أطروحتان سائدتان اليوم بشأن كيف ومتى يمكن أن يحدث الانتقال النوعي لبلادنا نحو مستوى آخر من الأداء السياسي والاقتصادي ومن التماسك الاجتماعي غير الذي هي عليه الآن ويتفق الجميع أنه استنفد قدراته وحلوله ورجاله. الأولى تعتبر أن أي تأخر في الحل إنما هو مضيعة للوقت، وتكريس لمزيد من الرداءة في السلوك على كافة المستويات، وأن الحلول الفورية والعاجلة لم تعد فقط ضرورية بل هي مُلِحة وينبغي الإسراع بها اليوم قبل فوات الأوان. والثانية ترى أن تكلس الوضع الاقتصادي والاجتماعي وتحجر الكثير من الذهنيات والمشكلات والأشخاص، وتشكُّلها ضمن قوالب غير قابلة للكسر حتى باستخدام كافة الوسائل، لا حل معه إلا بالعمل على المدى المتوسط والبعيد أي من خلال التعاطي مع المستقبل بدل الماضي والحاضر.

وبالرغم مما يبدو للوهلة الأولى أن الأطروحة الأولى هي للمعارضة والثانية هي للموالاة فإن حقيقة الأمر تُبين أن الأطروحتين تتقاسمهما كل من المعارضة والموالاة بقدر اتساع دائرة الرؤية عند كل منهما في مستوى بعض القيادات أو الرموز.

إذ كثيرا ما يُسِر إليك من  يضعون أنفسهم اليوم ضمن مسعى الموالاة (من النزهاء والوطنيين) أن الأمر لا يتعلق بموافقتهم، وإن كان على مَضض، على الوضع القائم، ولا يتعلق برضاهم عما يرونه على أرض الواقع من ترد للأوضاع، إنما عن كونهم لا يرون أن الحلولالآنيةيُمكنها أن تُحقق الأهداف المنشودة. بالعكس، من وجهة نظر هؤلاء، أن الوضع القائم، صحيح أنه يحمل الكثير من مؤشرات التدهور وبخاصة ما تعلق منه بالفساد وفقدان قيمة العمل وهَيمنة قيم الولاء المنافق على قيم الكفاءة والفعالية، إلا أنه لا يستلزم حلا سريعا (في الوقت) بالنظر إلى ما قد يترتب على ذلك من إمكانية انهيار كل البنيان دفعة واحدة وعلى الجميع، وتبعا لذلك فقدان كل إمكانية لإعادة إقامته، بما يترتب على ذلك من دخول للدولة الجزائرية وليس السلطة  في متاهة الصراع من أجل البقاء على شاكلة الكثير من الأقطار العربية التي زجت بنفسها في أتون صراعات داخلية دموية باسم البحث عن الحرية والتغيير الديمقراطي، ولن يتوقف ذلك إلا بعد أن يتسبب في خسائر جسيمة يصعب تعويضها في المدى المتوسط وحتى البعيد اللذين كان بالإمكان انتظارهما

وفي هذا المستوى تكون هذه الأطروحة قد شكّلت لنفسها نقطة تماس مع الأخرى يمكن الانطلاق منها في تصور للحل

ولعل هذا ما يتجلى في عبارة صاغها لي مواطن نال منه هم البلاد ما نال بطريقة بسيطة وبلا غموض: “جميعنا نعرف حقيقة الأوضاع وحقيقة المشكلات وحقيقة القيادات وأكثر من المعارضة ذاتها، ونريد أن نرفع صوتنا أكثر من أي كان، ولكننا نريد حلا لا يغالب الوقت إنما تكون آجاله المديين المتوسط والبعيد، أي حلا يحمل العبارة التي أصوغها بنفسي: اتفاقا حول المستقبل بدل البقاء ضمن متاهة الاختلاف حول الماضي والتناحر حول الحاضر.

وهذا ما يعني، من وجهة النظر هذه، أن أي خطاباستعجاليإنما يكون بمثابة الخروج عن هذا المجال بعيد المدى، ويدفع باتجاه مواقف تناحرية يصعب التكهن بنتائجها إن لم يكن الأرجح أن تكون نتائجها وخيمة.

أما الخطاب الذي يمكن أن نصوغه ضمن أبعاد المستقبل فهو الذي يمكن أن يترجم سياسيا في شكل أرضية اتفاق حول المستقبل تتضمن كافة الحلول التي نراها عبقرية بامتياز.

وهكذا يمكننا أن نكشف الزيف من الخطإ. نعرف من لديه بحق حلول للمشكلات على المدى المتوسط والبعيد، ومن لا قدرة لديه إلا النظر ضمن حدود المستقبل المباشر ما دون السنتين أو الأربع. وسنميز في هذه الحالة بين المسارعين إلى السلطة لأجل السلطة ومن لديهم بحق مشروع مستقبلي للبلاد يمكنه أن يُخرجها من الحال التي هي عليها الآن غير المرتبطة بأشخاص بعينهم، سواء بالبقاء أم بالذهاب، ولا بفترة زمنية ضاغطة تمنع التمييز بين من لديه تصور حقيقي ومن يوهم الناس بذلك، ولا إشكال لديه إن فشل أو تم التراجع  عنه كما في خبرتنا السابقة ما دام الهدف قد تحقق من خلال الوصول إلى السلطة.

ولعلنا نزعم أن هذا التحليل يُعد في آخر المطاف الأكثر قدرة على التطابق مع ما يتم اقتراحه من هذا الطرف أو ذاك في المجال السياسي. وهو وحده الذي يمكننا من قراءة صحيحة لحلول متداولة اليوم كحكومة الوفاق وحكومة الوحدة الوطنية أو أي صيغة من الصيغ التشاركية الأخرى لتسيير شؤون البلاد.

 

إننا نتصور أن أي حل من هذه الحلول لا يمكنه أن يحقق أهدافه إذا لم يوضع بحق ضمن أفق المستقبل. لا يمكننا أبدا بلوغ المخرج الصحيح والسليم والدائم إذا لم نجلس جميعا الآن وسويا، لنحل مشكلة الغد قبل أن تتحول إلى حاضر ونغرق فيه كما هي الحال اليوم. لقد قيل إن مشكلات اليوم كانت بالأمس حلولا، ولكننا لم ننتبه إليها

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • moh

    السوؤل الذي يطرح نفسه. اين القطيرة من المتقفين الذين هم قدوة للمجتمع في ابراز افكار و حلول لمشاكل البلاد و العباد?

    من جهة اخرى يطرع حال اليوم حكومة الوفاق وحكومة
    الوحدة الوطنية أو أي صيغة من الصيغ التشاركية الأخرى لتسيير شؤون البلاد..
    السوؤل. مع من ?
    المعارضة.
    اي معارضة ?
    جلوها كانت في الحكم ما عد FFS

  • نورالدين الجزائري

    اللحظة التي نحن فيها الآن و لنعلم أن النحلة تأكل و هي تعمل ! فلا ينبغي لنا أن نخلط بين الصبر الذي هو فنُ الأمل و الواجب: عمل قيّم و استقامة للحصول على الشيء في وقته بــ : إتقان مهارة و الصعب منها يسهل . فنحن أمام حل أو عقدة: إما نتعامل مع الواقع بإمتلاك حس الواقع لأننا نعيش قلب الواقع ! و إما ندخل عتاب الدهر فيهجوننا بعتابه لنا ! و إذا أراد الله تعالى بقوم سوءا أعطاهم الجدل حول أمور لا تستند لواقع لتصبح آثارنا على رمال الزمن كآثار الأقدام في الصحراء. آه! يا أيها الزمان أرجوك أن لا تكشف ما خفى !

  • نورالدين الجزائري

    الإنسان يصنع في زمانه و الأيام تكشفها !
    الماضي هو منصة للقفز لا أريكة للإسترحاء ، المستقبل هو مكان و وجود لم يتحقق بعد يبلغه الإنسان بمعدل 60 دقيقة / الساعة مهما فعل و أيّاً يكن ! أما الحاضر فهو على مَن قدم الواجب ليجني الكثير من ذاك الواجب. و العكس فيه هو الطامة بعينها و النفخ في الكير من حولها . و كما قيل : الماضي فيه تاريخنا المستقبل فيه أمالنا ، و لكن لا ننسى الحاضر الذي فيه واجبنا ، لأن الكل منا يحلم أن الحياة جمال و عندما نصحو نعلم أنها واجب ! و لتتعلم و كل من الحكومة و المعارضة أننا نعيش

  • عبدالقادر

    3/للبعض تشاؤوم الا الحقيقةعكس ذلك فلكثرةالامل الذي يحذوني في التغيير للاحسن والاصلاح للاقوم هوالذي يدفعني لان لاااتمن بمن هم نخب المعارضةولا من هم قادة النظام.يجب ان يفسح المجال للشباب المثقف الجديد الذي لم تتلطخ ايديه بالفساد و لام يفسد عقله بلغة الخشب التي اكل عليها الدهروشرب والذي نهل العلوم والمعارف من كل جامعات العالم شرقه وغربه،عربه وعجمه والمتشبع بالروح الوطنية والمحب للحرية والذي لايبقبل ان يكون عبدا لعصابةزعيم ولالحرس امير بل عبدالله رب العالمين وخادما للشعب وحاميا للوطن محترما للاخرين.

  • عبدالقادر

    2/ لن نتفاهم في ظل هذا النظام الذي يعتمد الفساد في تسيير امور البلاد و العناد في البقاء على ما قام به من نكاد لاغلب العباد ولا تحت مظلة معارضة خارجة من رحم هذا النظام و اغلب نخبها من ابنائه الشرعيين و الكل يعرف ان الابن ان اخطا قليلامع الاب فانه لن يعوقبه ابدا و يبقى يحن عليه و لهذا وجودها خطر على التفاهم و كما يقول المثل ولد الفار يجي حفار و ولد القط يجي ينط و الحديث قياس و يعرفه كل من عنده كمية فهامة في الراس و هذا عنصر كافي بان يجعلنا لا نتفاهم الأن.فما ذكرته ليس من باب التشاؤوم كما سيبدو ...

  • عبدالقادر

    1/اقدر واحترم كل ما جاء في المقال الا انني اقول ما اراه والكثير مثلي حقا ويجب ان يقال:لن يكون الاتفاق على المستقبل الا بعد ان تفق على الماضي الذي يخافه الكثير وخاصة من هم في النظام. لن يكون لنا مستقبل ونحن لم نحدد هوتنا رغم وجود الثوابت التي يتغنى بها الكل لكنها لم تطبق ولا مرة كاملة في الميدان وعنصارها هم لب وجوهر عدم التفاهم في هذا الزمان والتي كانت قبل الاستعمار الفرنسي العين هي اساس الاسمنت الذي يشد بين الجزائريين في الاربعة الاركان لهذه الارض الطاهرة التي لا نقبل عنها مكان عدا بيت الرحمن...

  • مواطن

    حسب منظوري لا أرى أمور بلدنا بالشكل البسيط الذي وصفته بل إن حالتنا أعقد من ذلك.لا تنحصر الأزمة في الاستحواذ على السلطة من طرف خصمين متكافئين في القدرة على اعتلاء الحكم فقط بل إن الخلافات المؤسسة للمجتمع هي التي تمنع تسوية مشاكلنا المتنوعة.صراعات عنصريةوخلافات ثقافية وعداوات جهوية واستحداث طبقية متعفنة وانعدام الروح الوطنية ما هي إلا عناصر بارزة لما يمنع الرؤية الموضوعية لإيجاد الحلول السياسية قصد إنقاذ الوطن من التخلف الحضاري الذي تشكو منه بلادنا.هذه الأوضاع الحالكة تؤدي لا محالة إلى ثورة كارثية

  • المستقبل

    ليس هناك حل الاّ التمهيد لمرحلة قادمة يتبعها عمل،هل هنالك الكادر الثقافي والسياسي
    لمباشرة النشاط مستقبيلي ضمن منهجية ورسم لإطار الزمني؟ .هل هناك من يفكر مثل مالك بن نبي، عزف عن المناصب ،وعمل بذكاء حالفته ثقافته أثمر جهده في أن قربت الجزائرمن نهضة ،لولا غبائنا السياسي ،ذهبنا الى حتفنا هدمنا كل مبناه الرجل .عمل مالك بعقلية العصامي الزاهد،لنهضة الجزائر .فقرب المخاض وقربت الولادة.الاّ أنّ الغباء كثير ،فتطفل بعضنا وبدافع الغرور ناسبا كل ذلك الخير المبارك لنفسه ومشهدناه من إزدهار ثقافي،وبداية التغير