لنُغيّر بكالوريا نابليون!
بداية ينبغي أن نُهنِّئ أبناءنا الناجحين، هذه السنة، رغم كل الظروف الصعبة والضغوط التي مرت بهم أثناء الامتحان، وفي ذات الوقت ينبغي أن نَشُدّ على أيدي مَن لم ينجحوا أو اقتربوا من المعدل ولم يحالفهم الحظ نتيجة أيضا تلك الظروف الصعبة التي أجروه فيها، ونتمنى لهم التوفيق في المرات اللاحقة. والأهم من ذلك، ينبغي ألا نجعل من هذه البكالوريا “النابليونية” غاية في حد ذاتها أو ننظر إليها على أنها المقياس الأوحد للنجاح أو نهاية التاريخ.
فقط في بلادنا، حيث مازالت منهجية التعليم مرتبطة بالثقافة الفرنسية، مازالت “البكالوريا” تأخذ كل هذا الحجم غير المتناسب مع الأساليب الجديدة لتقييم قدرات التلاميذ وتوجيههم في حياتهم العلمية والعملية. مازلنا نجري الامتحان على الطريقة التي حددها نابليون منذ أكثر من قرنين من الزمن سنة 1808، من غير أي تغيير في أساليب التقييم والتعرف على عبقرية كل واحد من أبنائنا. ولم نحاول إلى حد الآن الاستفادة من تجارب الشعوب والحضارات الأخرى، وعلينا اليوم أن نراجع الأمر.
في بلاد عديدة في العالم، هناك أساليب متعددة للدخول إلى الجامعات والمعاهد العليا، كل نظام تعليمي له مقاييسه وشروطه وأساليب مستحدثة للاختيار ومنهجية تقييم في هذا المستوى. هناك فرقٌ بين الأسلوب الألماني والأنجلوساكسوني والصيني والياباني، وهناك مرونة في أساليب الانتقاء لا تجعل من علامة امتحان واحد ندخلها في كمبيوتر هي التي تحدد مصير هذا أو ذاك، وكفى المسؤولين بعد ذلك شر البحث عن العدالة بين التلاميذ أو الكشف عن العباقرة من بينهم الذين جنت عليهم بكالوريا نابليون.
نحن اليوم في حاجة إلى تجديد أساليب الاختيار، إلى مراجعة عميقة ليس فقط للبكالوريا، إنما إلى أسلوب التقييم في نظامنا التعليمي من الابتدائي إلى الجامعة. كل من امتهن التعليم في أي طور كان، يعرف أن هناك عبقريات دُفنت وهي حيّة فقط لأنها كانت ترفض الحفظ الببغائي ولم تتكيَّف مع نظام التقييم النابليوني.
لذا، فإني أدعو اليوم إلى إعطاء محتوى واسم جديدين للبكالوريا، وليكن امتحانات الالتحاق بالطور الجامعي أو امتحانات نهاية المرحلة الثانوية، ولنسع لإعادة الأمل لأبنائنا في أنهم سيَحْظَون بتقييم فعّال وفرز غير ظالم ولا مُثبِّط للعزائم في المستقبل، ولنغتنم فرصة الإصلاح القادمة ليكون ذلك فعلا لا قولا، دون مزايدات ولا صراعات إيديولوجية ولا تشخيص للمشكلات… أبناؤنا هم المستقبل وعلينا ألا ندعهم في مهبِّ الريح أو نتركهم ضحية أساليب تقييم عفا عنها الزمن منذ قرون.