لن نخجل من تاريخنا!
القرار الذي اتخذته السّلطات الفرنسية بفتح أرشيف الثّورة التّحريرية يجب أن لا يخيفنا، ولا معنى للقراءات التي ذهبت إلى أنّ فتح المحفوظات العامّة المتعلقة بالأحداث التي وقعت أثناء الثورة أو القضايا التي عالجتها المحاكم الاستعمارية أو التّحقيقات التي قامت بها الضّبطية القضائية الفرنسية، وهي القراءات التي ذهبت إلى أن القرار الفرنسي يهدّد الوحدة الوطنية!
من حيث المبدأ، فإنّ التّعاطي مع الوثائق الأرشيفية يكون من قبل المختصّين والباحثين الذين يضعون تلك الوثائق في سياقها التّاريخي، ويعتمدون عليها وعلى غيرها من المصادر للوصول إلى الحقائق التاريخية، أمّا إذا أحيل الأمر إلى العامّة من النّاس وتم التّلاعب بالوثائق ونشرها من دون تمحّص وتحقيق بنيّة الإساءة إلى شخصيات تاريخية معيّنة، أو إلى عائلات كبيرة واتّهامها بالتّعاون مع الأجهزة الأمنية الفرنسية، فهنا تكون المشكلة.
وقد رأينا مثل هذه الاستخدامات المتعسّفة بغرض الإساءة إلى الشّخصيات التّاريخية، مثل ما يقال عن مقالات وعناوين نشرتها الصّحافة التي أصدرها الشّيخ عبد الحميد بن باديس، والتي تمجِّد فرنسا، واتّخاذها دليلا في مواقع التّواصل الاجتماعي على أنّ مؤسّس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كان من “أعوان الاستعمار”، كما تمّت الإساءة إلى رموز آخرين بينهم الأمير عبد القادر بالطّريقة ذاتها.
إنّ أهمّ ما يتخوّف منه المهتمون هو اتّهام مناضلين ومجاهدين مخلصين بالتّعاون مع العدو لمجرّد العثور على اعترافات في محفوظات البوليس الفرنسي، لكن الحسم في الأدوار التاريخية التي قام بها هؤلاء لا يكون بوثيقة واحدة، وحتى إن صحَّت هذه الوثيقة، فإنّ البحث في الظّروف المحيطة كفيلٌ بفهم الحالة، لأنّ المعروف أنّ المجاهدين الذين يتم اعتقالهم مصرّحٌ لهم بإعطاء معلومات تضليلية للجلادين، ويكون ذلك إمّا بعد فترة محدّدة تسمح باتخاذ الاحتياطات اللّازمة أو بإعطاء معلومات أخرى خاطئة، وفي هذه الحالة لا يمكن اتّهامُ هذا المجاهد الذي قدّم اعترافات تحت التّعذيب بالخيانة. وهناك حالات أخرى لمناضلين متخفّين كانوا يعملون في الظّاهر لصالح الاستعمار، بينما يتعاونون في السّر مع جبهة التحرير الوطني ويمدّونها بمعلومات قيّمة.
وفي المحصلة، فإنّ التّعامل مع المحفوظات الفرنسية خلال ثورة التّحرير سيكون مفيدا لكتابة التّاريخ الوطني إذا تم ذلك وفق أسس علمية ومنهجية، أمّا إذا تُرك بين أيدي مراهقي مواقع التواصل الاجتماعي فيمكن أن نتوقع الكوارث.
الذين يجب أن يخجلوا من ماضيهم هم الفرنسيون؛ فقد كان آباؤهم أساتذة العالم في الإجرام والتّنكيل والتعذيب والتّقتيل… أمّا نحن فكنّا ضحايا هذا السّلوك الإجرامي، وقد تصدّينا بصدور عارية لأقوى قوة استعمارية في التّاريخ المعاصِر، وانتصرنا عليها وحرَّرنا بلادنا بأنهارٍ من الدّماء وجبال من الجماجم، وهو تاريخٌ نفخر به.