ليست فِرقاً ضالة..
ما نُسمِّيه بالفرق الضالة من حيث المعتقد هي في الحقيقة ليست فرقا ضالة من حيث الهدف السياسي والأمني الذي تُريد تحقيقه. إنها تعرف ما تريد ولديها خارطة طريق لا تضلّ عنها. لذا لا أتصور أن التعامل معها من منظور رأي الدين والعقائد الفاسدة كافٍ لمواجهتها، بل علينا كشفُ حقيقتها السياسية والأمنية وارتباطاتها بالسياسات الدولية في المنطقة، باعتبار أنها فِرقٌ ذات أبعاد سياسية وأمنية بامتياز، تتغطى بغطاء الدين وتسعى إلى تحقيق أغراضها المعروفة من خلال الاستثمار في التشويش على معتقدات الناس وضرب كل من الدين والدولة.
ينبغي كشف حقيقة هذا الدور الذي تقوم به، والأجندة التي تريد تحقيقها قبل محاولة الدخول معها في نقاشاتٍ عقائدية يصعب للناس التمييز بين الصالح والطالح منها. علينا مواجهتُها بطرح أسئلة من نوع: هل لهذه الفِرق علاقة بقوى دولية معينة؟ مَن يقوم بتمويلها؟ ما هو تاريخها السياسي؟ وما علاقتها بالاستعمار التقليدي والحديث؟ وماذا تريد اليوم؟
وسيتبيّن لنا بكل سهولة أنه لا توجد من بينها فرقة واحدة لا تتحرك ضمن أجندة جيوسياسية معيَّنة، إما هي تحت مظلة الدولار أو البترودولار أو الجنيه الإسترليني أو الأورو أو غيرها من العملات. لا توجد فِرقة واحدة من هذه الفِرق تعمل لوجه الله تعالى، وتؤمن حقيقة بما تقول خارج الحسابات الدولية.
وبالنظر إلى الوضع الراهن الذي تمرّ به بلادُنا، فإننا نكاد نرى بوضوح كيف تُستَخدم ـ بالتسميات التي تُطلقها على نفسها أو ستُطلقها أو سنُطلقها عليهاـ لمحاولة زعزعة التماسك الديني الذي نحن عليه، تمهيداً لزعزعة التماسك الاجتماعي والسياسي والأمني.
لذا، فإنَّ نَزع الغلاف الديني عنها، هو وحده الذي سيكشفها للرأي العام ويؤكد أنها حتى وإن كانت ضالة بالمفهوم العقدي، فهي ليست ضالة بالمفهوم السياسي، لأنها تعرف بالضبط ما تريد، وتبني مواقفها على قراءة حقيقية لطبيعة المجتمع الجزائري. ومِن هذا المنطلق لا يهمُّها الوصفُ الذي نُعطيه لها، أو قدرتُنا على دحض مواقفها بالحجة والدليل، مادامت لا تضلّ عن تحقيق غايتها السياسية من بثٍّ للفرقة والشقاق والشكوك في أوساط الناس وزعزعة تماسكهم الإيماني القائم على الفطرة السليمة والاعتقاد الصحيح.
وهو ما يدفعنا إلى القول إنه علينا، قبل البحث في معتقداتها الضالة، البحث في أهدافها المعروفة تاريخيا وغير المعروفة، من خلال معرفة نشأتها التاريخية ومصادر تمويلها وانتشارها عبر جغرافية العالم وماذا حدث ويحدث بالمناطق التي تحركت بها…
وسنَعلم كم هي بعيدة عن الدين وكم هي مُدرِكة لِما تريد.. وسنُصحح تبعا لذلك طريقة التعامل معها.