-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ليس تحت القبة وزير

عدة فلاحي
  • 2696
  • 11
ليس تحت القبة وزير

زورا وبهتانا وباسم حقوق الإنسان والديمقراطية والحداثة، لا تتحرج ولا تتردد فرنسا أو الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية عموما في التدخل في الشأن الداخلي للدول، بل وقد تضطر لاستخدام القوة العسكرية لزحزحة استقرار هذه الدول والأنظمة التي لا تخدم مصالحها وتذعن لإرادتها، بل وقد تشعل نيران الفتنة بين أبنائها لتجد الذريعة والشرعية لاحتلالها ومن ثمة استنزاف خيراتها.

يحدث هذا في القرن الـ21 ونحن الذين كنا نظن بأن عهد الاستعمار قد ولى بعد استعادة الدول العربية استقلالها وسيادتها الوطنية، ولكن ظهر أننا كنا واهمين ولا نحسن قراءة المستقبل، كل هذا يحدث باسم الحرية والمدنية، ومع ذلك يخرج علينا وزير الشؤون الدينية في تعليقه على أحداث  شارلي إيبدوبالقول إنهشأن فرنسي يخص فرنسامتناسيا أنه كان في كل مناسبة يتلقى تقارير من فرنسا وغيرها حول انتهاك حرية ممارسة الشعائر الدينية للمسيحيين بالجزائر الذين يشكلون بضعة أفراد أغلبهم مخبرون، والسؤال المطروح بقوة اليوم هو: هل المسيحيون أضحوا أكثر غيرة على دينهم من المسلمين أو بالأحرى من القائمين على تسيير الشؤون الدينية في بلادنا وهم الذين وُضعوا في هذا المنصب من أجل خدمة الدين والدفاع عنه؟ أم أن الدين الإسلامي أضحى قُطريا عند هؤلاء ولا يجوز الدفاع عنه خارج الحدود؟ وإذا كان الأمر كذلك ما فائدة إقامة وتشييد المرافق الدينية في الدول الغربية؟ وما فائدة مسجد باريس الذي لم نحسن استغلاله دينيا ولا حتى وطنيا، اللهم سوى كمحطة للسياحة لقضاء بعض أيام من الراحة وشم نسيم وعطر باريس لفائدة كبار القوم؟

من المغالطات التي سمعناها هي أن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلمليس في حاجة إلى من يدافع عنه، فالله ناصره بقوته، ولكن أليست إشاعة هذه الثقافة الانهزامية دعوة  للاستسلام والذل وكسر الإرادة؟ ألم يدعو الرسول عليه الصلاة ولسلام الشاعر حسان بن ثابت للرد على الكفار الذين تهجموا عليه وعلى رسالته بالقولاهجوهم وروح القدس معك؟ أم قال له لست في حاجة لك ولشعرك فالله ناصري مادام هو الذي بعثني؟

إذا كانت بعض الشخصيات الرسمية التي جاءت بالصدفة مثل وزير الأديان عندنا لا تجد الجرأة في قول كلمة الحق والنهي عن المنكر الذي هو من صميم اختصاصاته خوفا من ضياع الكرسي، فكذلك بعضالعلمانيين المنافقينعندنا قد وقفوا الموقف نفسه وهذا خوفا على الامتيازات التي يحظون بها في فرنسا، فبعض الكتاب والروائيين عندنا لا يريدون، بل ولا يستطيعون قول كلمةأفّلأمهم فرنسا، وكيف يكون منهم ذلك وهي التي ترعاهم وتقوم لهم بالدعاية الإعلامية لأعمالهم ونشاطاتهم ولكتبهم التي تطبع في مطابعها وتخصص لهم الجوائز التي يحلمون بها وبها يعتقدون بأنهم قد كسبوا صكوك الغفران والصدارة الأدبية المزيفة التي كثيرا ما نزع عنها ورقة التوت المرحوم الطاهر وطار الذي ترك فراغا كبيرا بعد رحيله.

ولكن بالمقابل لا يمكن أن ننكر بأن هناك رجالاً شرفاء في فرنسا ممن وقفوا معنا ضد الكولونيالية الفرنسية ومنهم كذلك بعض المفكرين مثل جاك بيرك الذي ترجم القرآن الكريم إلى الفرنسية وصاحب الإسلام دين المستقبلالفيلسوف الفرنسي رجاء غارودي الذي نسيناه وخذلناه  ولم نقف معه بالشكل الذي يلزم حينما تعرض للاضطهاد ولضغوط السلطات الفرنسية نفسها بتحريك من اللوبي الصهيوني الذي لم يغفر لرجاء الذي كان يعيش لقضية وليس لجاه أو لمنصب، وقوفه مع القضية الفلسطينية وإدانته للمجازر الإسرائيلية التي ترتكب في حق الشعب الفلسطيني.

إن العبارة الشهيرة التي قالها عميد الأدب العربي المرحوم طه حسين حول فرنسا بأنها بلد الجن الملائكةتكاد تفقد بريقها وتوازنها، لأن عدد الملائكة بفرنسا بدأ يتقلص لحساب الجن أو بالأحرى الشياطين، وإلا كيف تقبل وتعترف فرنسا في عهد هولاند بالمثليين وبـالزواج المثليوبتأجير الأرحام بحجة الحرية الشخصية؟ وهل من يقبل بهذا المنكر المتعارض مع الفطرة البشرية والذي وقف ضده رئيس الوزراء السابق ليونال جوسبان وغيره من النخب السياسية والثقافية نستغرب موقفه العنصري من الإساءة التي لحقت برسولنا الأعظم بريشة شُلت وتبت يد أصحابها من عصابة شارلي ايبدو؟

وبالرغم من هذه الإهانة التي لحقت بنا والتي لن تكون الأخيرة، فالعيب كل العيب في من تحملوا أمانة الشؤون الدينية هم في الحقيقة بعيدون كل البعد عن هذه المهمة المقدسة التي تتطلب رجالا من وزن مولود قاسم رحمه الله والذي لم تكن تأخذه في الله لومة لائم، وبالرغم من إتقانه سبع لغات بما فيها الألمانية، لم يكن في يوم من الأيام متغربا أو طالبا لرضا الغرب على حساب رضا الرب ورضا شعبه وأمته، بل كان يحمل استقالته من منصبه في جيبه وعلى استعداد دون عقدة لمغادرة الوزارة متى كان الأمر يتعارض وقناعته وضميره.

ولكن اليوم للأسف الشديد تغير الحال ونوعية الرجال ومعادنهم وحتى مؤهلاتهم في تعاملهم وتعاطيهم مع الأحداث والنوازل التي تتطلب المعرفة النوعية وليست المعرفة الكمية المتخلفة، فلماذا لم يتحرك وزير الأديان دون أن نطالبه بالتنديد والاستنكار الذي هو أكبر من حجمه الحقيقي ليذكر فرنسا والعالم المسيحي بموقف الأمير عبد القادر الذي حمى أرواح المسيحيين من غضبة المسلمين بالشام؟ ولماذا لم يذكّرهم بفضل ابن رشد وابن سينا على الحضارة الغربية عموما؟ ولماذا لم يذكّرهم بالتضحيات التي قدّمها الجزائريون والمسلمون خلال الحرب العالمية الثانية دفاعا عن فرنسا وشعب فرنسا؟ ولماذا لم يذكرهم بالموقف التاريخي لمسجد باريس الممول من الجزائر، الذي تصرف بكل تسامح وإنسانية ودون تعصب لحماية اليهود من متابعة النازية لهم؟

لكن يبدو أن وزيرنا قد تلقى تعليمات من وزير الداخلية الفرنسي الذي التقى به خلال الأسابيع القليلة الماضية وهو لا يريد بالتالي التمرد عليها، لأن الخروج على الحاكم في عرفه من المحرمات والممنوعات، كيف لا وقد جاء في الاتفاق الموقع بينهما شهر ديسمبر 2014 ما نصهيعلنان رغبتهما في مرافقة بروز ممارسة للدين الإسلامي بفرنسا تتوافق وقيم الجمهورية ومحترمة لمبادئ اللائكية والمواطنة، وهذا يعني كما قال هولاند ورجال الإعلام والثقافة ممن هم على مذهبه من صناع القرار بأن الاستهزاء بالأديان وبالأنبياء وحتى بالله جائز وحلال، ومن يقول غير ذلك فهو على ضلال ومن المغضوب عليهم، ووزيرنا طبعا مطيع وبالتالي هو لا يريد أن يكون من المغضوب عليهم وإلا ضاعت مشاريعه التي لا تقارن بمشاريع الفيلسوف الفرنسي اليهودي برنار هنري ليفي الذي يجاهد حقا بالنفس والنفيس من أجل أن تنتصر عقيدته في بلاد الإسلام والتي تدخل في شؤونها إلى درجة العبث والدمار كما حصل في ليبيا الشقيقة ولكن لم نسمع منه أن ما يحدث في ليبيا أو في سوريا هو شأن ليبي وسوري لا يخصه ولا يخص بلاده وقومه.

 

وبهذا ينتهي الدرس الذي يجب أن يتعلمه وزير الأديان والذي عليه أن يستمع لوصية وحكمة نابليون حينما قالإن الوزير الذي لا يكون كفؤا لوظيفته يؤذي بلده باستخدام قوم في وزارته لا ينظرون إلا بعينه ولا يفكرون إلا بعقله.. ورُبَّ رجل تراه خلف المحراث وهو جدير أن يتبوأ مجالس الوزراء، ورُبَّ وزير جلس يدبّر الأمر وهو حري أن يجري وراء المحراث، والسلام على من اتبع الهدى.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
11
  • بدون اسم

    ان كنت لبيبا ستفهم المعنى وان كنت عكس ذلك فلن تفهم أبدالدهر...الأسلاميون ساهموا وشاركوا وقادوا ايضا(ثورة التحرير)وبعد(النصروالاستقلال)لاأثر لهؤلاءالأسلاميين...ترى هل غير الأسلاميون أم غيروهم؟

  • بدون اسم

    الدم في عروقهم باردٌ كالكوكاكولا المثلج..هذه الاشكال التي نستطيع أن نراها فقط , وما خفيَّ أعظمْ...لا انقطع النزف فنموت ولا برءنا من جرح أعمق من عميق.

  • محمد

    سؤال راودني منذ 5 سنوات، لاأجد له جوابا : لمّا حلّقت فرنسا لتقصف ليبيا، لم يغير الإخوان و معهم باقي الاسلاميين معسكرهم، وبقوا في محاربة القذافي إلى أن وقع ما وقع. أجبني يا صاحب المقال.
    في الجزائر، تخندق الجميع مع الموقف الرسمي المناهض للقصف الفرنسي لليبيا شعبا و نظاما، و هو موقف الرئيس الجزائري.
    أجيبوني بربكم (خصوصا صاحب المقال) عن موقف الاسلاميين في ليبيا وسوريا ؟؟؟؟؟؟

  • احمد ع الق

    الأنظمــة العربية عموما هي التي جندت عملاءها من الانهزاميين لبث تلك الروح في الأوساط الأجتماعية وعلي رأسها نظام آل سعيود..نعم الاسلامدين محبة وسلام ولكنه في المقابل لا يقبل الدنية والظلم والظيم كما يروج له بعض أدعياء السلفية ممن قيضوا أنفسهم خدمة لمآرب دنيوية يدفعها لهم عملاء الأمريكان والصهيونية,,,حتي وصلنا ألي مرحلة نعتقد فيها أن المسلم والجاجة سيان لا يختلفان,,,فمن حاوا أن يكون غير ذلك فهو أرهابي ..مشكور هذه المرة أيها الأستاذ

  • شغيب الخديم بن الخديم

    كلامك صحيح لكن فافا رسخت رجلها في الجزائر فلن يفوز بالتوزير وما يعلوه إلا من تزكيه فالامر لايتطلب الكفاءة بقدر ما يتطلب الولاء فلا تكن من الغافلين.

  • بدون اسم

    ربما يريد ان يكون وزيرا هههه

  • بدون اسم

    "زورا وبهتانا وباسم حقوق الإنسان والديمقراطية والحداثة، لا تتحرج ولا تتردد فرنسا أو الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية عموما في التدخل في الشأن الداخلي للدول..." ومادا تفعل انت و امثالك الدين يلهتون وراء المناصب لسحب هكدا عدر منهم و العمل على نشر ثقافة الحرية و التداول و اشراك الشعب في القرارات المصيرية......العيب فينا فلا تلصق الاعدار بالغير...

  • كمال

    الان لديه حساب مع وزير الشؤون الدينية ...يوم كان مع بو عبد الله ألم تكن هناك طامات اكبر من شارلي, و لكنهما حسب علمي لم يتكلما...و الان يلوم الوزير خَلَفُ وزيره عن مثل ما فعلاه ...اف لمن لا تحرك قلمه الا مواقعه...فان كان على الكرسي هلل لاصحاب الكراسي .. و ان كان عل حجر تؤلمه صلابته و يلسعه برده صبّ حِمَمَ آلامه على من زحزحه من سلطانه...و غفر الله لنا جميعا و جمعنا على ارائك الجنان اخوانا متقابلين.

  • مسلم أمازيغي جزائري

    صدقتَ فيما قلتَ.

  • محمد

    دائما أطالع مقالاتك وأراك تتجنى على السلفية وتحاول أن تحشرهم في القضية التي تكتب فيه وربما لا علاقة لهم بها ولكن هذا المقال على حسب اطلعي الوحيد الذي لم تشر لهم فيه من قريب ولا بعيد وأصبت فيه كبد الحقيقة فأقول لك بارك الله فيك على هذه المقال

  • بدون اسم

    ألاتعلم ياهذا أن الله يحب الرجل المؤمن القوي..الغرب الصليبي الأوروبي والأمريكي والصهيوني أقــــوياء يأمرون فتركع لهم كل هامات وقامات الأعراب ومنهم أنت..اين قوتكم ايهاالأعراب الأعرار الأقزام القميئة....