ليكشِف كلٌّ حساباتِه
كلما تَمّ الكشفُ عن قضايا فسادٍ على المستوى الوطني أو الدولي، تأكّد لي أن هذا الملف هو الأكثر خطورةً من بين الملفات التي ينبغي أن يتم الحسمُ فيها إذا أردنا أن نَدخل مرحلة إصلاحات حقيقية، وأن نبني بلادنا على أُسس صحيحة.
مهما كان الشخص الذي ورد اسمه في قضايا فساد، ينبغي أن يَمُرّ عبر العدالة، وينبغي على هذه العدالة أن تكون عدالة بحق؛ مستقلة ومُنصِفة وبعيدة عن أيّ ضغوط من أيّ جهة كانت. طريق البناء الحقيقي لا يبدأ إلا من هنا، وطريق مواجهة نقص المداخيل من العملة الصعبة لا يبدأ إلا من هنا. لا يُمكننا أبدا أن نتحدّث عن التقشف أو حسن تسيير الموارد أو عن ترشيد النفقات في ظل وجود مُتَّهمين بالفساد من غير تقديمهم إلى العدالة لإدانتهم أو تبرئتهم. دون هذه الصرامة لن يتحقق أيّ تقدم.
ما الذي يجعلنا نترك الرأي العام يتحدّث عما يُعتبر أدلة قاطعة ضد مسؤولين متهمين بالفساد، ووسائل إعلام تنشر بعضا من هذه الحقائق، وأحيانا مسؤولون يعترفون بأنفسهم بأنهم اشتروا فيلات أو شققا بملايين الأورو، وآخرون تحوّلوا إلى رجال أعمال وأصحاب ملايير بمجرد خروجهم من المسؤولية أو اقترابهم منها، دون أن نرى لذلك أي تبعات لا على المستوى القانوني ولا على المستوى السياسي باستثناء حديث عام في إطار نظرية المؤامرة؟!
ما الذي كان ومازال يَمنع الجهات المختصة من طرح السؤال الأكثر بساطة: من أين لك هذا؟
أعتقد أنه من الوطنية اليوم، أن يتجرّأ كل من تَحمَّل أدنى مسؤولية، أن يَمتَثِل للقانون، ويُصدِر إعلانا يشهد فيه على نفسه بما يملك وما لا يملك، ويبرِّئ نفسه أمام الرأي العام مما قد يحوم حوله من شكوك.
كما أعتقد أنه من الوطنية اليوم أن نُعلِن شهرا لكشف حسابات الجميع امتثالا للقانون… (المرسوم 06ـ 415) (المذكرة التطبيقية للوزير الأول 18 أفريل 2015).
ومن الوطنية أن تُلزِم الدولة كل المسؤولين وكل السياسيين وكل المنتخبين، معارضة وموالاة، الحاليين والسابقين، بالامتثال لهذا القانون لِمَن لم يفعل أو إعادة الامتثال له لِمن فَعل من قبل، ليعرف الجميع حساباتهم وممتلكاتهم مع عائلاتهم، ولِتَقم المصالح المعنية بعدها، والعدالة ووسائل الإعلام بما ينبغي لها أن تقوم به، وليشهد ذلك الرأي العام.. تلك وحدها الوسيلة الناجعة للكشف عن حقيقة ما يجري في بلادنا بعيدا عن تسريبات العالم ـ بنما أو غيرهاـ إذا أردنا بالفعل أن نَسلُك طريقَ البناء الصحيح ونعيد الأمل للناس.