-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مالك‮ ‬بن‭ ‬نبي‭ ‬يقرأ‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭.. ‬

الشروق أونلاين
  • 5035
  • 19
مالك‮ ‬بن‭ ‬نبي‭ ‬يقرأ‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭.. ‬

لا أزعم أنني التقيت هذا الرجل.. لكنني أذكر ملامحه جيّدا حين دُعيَ لإلقاء محاضرة بإحدى قاعات السينما بباتنة عام 1972 .. ولم أكن حينها أفهم معنى أن يتحدث الانسان عن الحضارة والهوية والزّمن والتاريخ.. وكنت أسمع في شوارع المدينة الناس يتحدّثون عن الرجل وفكره، ولم‭ ‬أكن‭ ‬أذكر‭ ‬حينها‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬قاعات‭ ‬السينما‭ ‬أنشئت‭ ‬لعرض‭ ‬أفلام‭ ‬مانغالا‭ ‬بنت‭ ‬الهند،‭ ‬وجون‭ ‬واين‭.. ‬وفريد‭ ‬شوقي‭.‬

  • مالك بن نبي عرفت قيمته أكثر بعد أن التقيت المفكّر السوري اللاّعنفي جودت سعيد الذي جمعتني به رحلة من دمشق إلى بيروت عام 1998، فما أن عرف أنني جزائري، حتى قال لي “أنا لا أقول إنك من بلد المليون ونصف المليون شهيد.. ولكن أضيف إليهم مالك بن نبي، هذا المفكّر العظيم‭ ‬الذي‭ ‬أعادني‭ ‬إلى‭ ‬طريق‭ ‬التفكير‭ ‬السليم‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬انزلقت‭ ‬بعيدا‭.. ‬إذ‭ ‬يكفي‭ ‬أنه‭ ‬صاحب‭ ‬مقولة‭ ‬عندما‭ ‬تغيب‭ ‬الفكرة‭ ‬ينمو‭ ‬الصّنم‮”‬‭.. ‬هو‭ ‬رجل‭ ‬كلّما‭ ‬ابتعد‭ ‬عنّا‭ ‬زمنيا‭ ‬صار‭ ‬أكبر‭ ‬مما‭ ‬كنّا‭ ‬نعتقد‭..‬
    من تلمسان يعود ابن نبي بعد 38 عاما على رحيلة، وهو المفكر الاستشرافي، الذي يقول بعض عتاة الفكر الغربي إنّهم ثلاثة نجحوا في اختراق أسوار العقل الأوروبي والغربي عموما، الجزائري مالك بن نبي، والإيراني علي شريعتي والباكستاني أبو الأعلى المودودي. يعود في صورة أسئلة وأطروحات لم تمت، وأفكار تحمل بذور استمراريتها في عمقها وأصالتها. إنّه الرجل الذي رأى الأشياء بعينين ثاقبتين، وكأنه سليل زرقاء اليمامة. يعود مالك بن نبي المتنبئ علمًا بما سيكون من أمر هذه الأمة التي “وقفت أمام الغرب موقف الزبون فأخذت منه الأشياء والمصنوعات الجاهزة، وهذا عائد لطبيعة استهلاكية في المجتمع العربي، على النقيض من اليابان الذي وقف أمام الغرب موقف التلميذ ليتعلّم، وهذا راجع لطبيعة إنتاجية في المجتمع الياباني فاقتبس منه المعارف”.. تلك حقيقة أولى دوّنها ابن نبي، قادته لاحقا إلى جملة من الآراء التي تكرّست في الواقع العربي، وهي أنّه “من عادة التاريخ أن لا يلتفت للأمم التي تغط في نومها وإنما يتركها لأحلامها التي تطربها حينا وتزعجها حينا آخر”، وتلك أيضا حقيقة أخرى، فالتاريخ اليوم لا يعني الانغلاق في الماضي وأمجاده، والتباهي بما حققه الأسلاف، إنّما صار مفهومه مرتبطا بالمستقبل والحاضر، ألم يقل بوش الإبن بعد11 سبتمبر 2001 “هناك أمم تعتز بماضيها، فلها أن تفعل، أمّا نحن فإننا سنصنع تاريخنا، وتاريخ غيرنا”، لهذا لا غرابة أن يكون الأمريكان موجودين في كلّ حدث، مهما كان نوعه أو حجمه أو موقعه، ليضعوا بصمة الرجّل القوي الشاهد على أحداث شارك فيها أو باركها.. لهذا فإنّ رؤية ابن نبي، تتقاطع مع فكرة أن هناك هامشا للتاريخ يختاره الفاشلون في بناء الحضارة.. ويذهب المفكر الجزائري الفذّ إلى أنه “ليس يكفي مجتمعاً لكي يصنع تاريخه أن تكون له حاجات، بل ينبغي أن تكون له مبادئ ووسائل تساعده على الخلق والإبداع” وهنا مربط الفرس فيما يسمى بثورات وانتفاضات الربيع العربي، التي حرّكتها، بلا شكّ، حاجات مختلفة، قد تكون الحرية والعدالة والكرامة والمطالبة بتساوي الفرض ورفض الفساد.. ولكن ضمان بلوغ تلك المطالب لا يمكن أن يكون إلاّ بتوفّر مناخ من القيّم والمبادئ والقدرة في تجذيرها وتأصيلها، حتى لا تنبت في بيئة النفاق والديماغوجية.. ولا يمكن لثورة أن تنجح إلا إذا كانت وطنية الانتماء، واضحة الأهداف، صادقة الوعد، لأنّ كيمياء الثورة هي الذات المؤمنة بالتغيير. يقول مالك بن نبي “نحن لا نستطيع أن نصنع التاريخ بتقليد خُطى الآخرين في سائر الدروب التي طرقوها، بل بأن نفتح دروباً جديد”. لأنّ التقليد يفقد الثورة هويّتها، ويجعلها أشبه بامرأة تخدع غيرها بمساحيق مغشوشة. فالسر في انتصار ثورات الجزائر والفيتنام وكوبا هو أنّها لا تشبه غيرها، ولم تستلف أدوات إنجازها من الآخرين.. فهل ثورات الشارع العربي اليوم، وهي تختلف في مضامين توجّهاتها، باعتبارها تهدف إلى تغيير واقع لا إزالة استعمار غريب، هل تمتلك هذه الرؤية، وهل هدفها إبدال فكرة بفكرة، ونظام بآخر، وإحلال أشخاص مكان آخرين أم أنها حجر في بركة ماء آسن؟. يقول ابن نبي‭ ‬‮”‬إن‭ ‬ثورة‭ ‬ما،‭ ‬لن‭ ‬تستطيع‭ ‬تغيير‭ ‬الإنسان‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لها‭ ‬قاعدة‭ ‬أخلاقية‭ ‬قوية‮”‬،‭ ‬فهل‭ ‬أنتج‭ ‬ميدان‭ ‬التحرير‭ ‬والساحات‭ ‬الأخرى‭ ‬نموذجا‭ ‬لإنسان‭ ‬يملك‭ ‬قابلية‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭ ‬24‭ ‬يناير‭ ‬إلى‭ ‬
     25 يناير، بفكر يحمل القيمة المضافة لمصر، أو لبقية البلدان التي شهدت أوضاعا شبيهة بدرجات متفاوتة؟ لا أعتقد أن شيئا كبيرا تحقق، لأن تراكمات التاريخ لا يمكن تفكيكها بخطاب لا يتكئ على قاعدة الإقناع والبديل والواقعي المقبول، وقيم التسامح والمشاركة، لأن “من سنن الله في خلقه، عندما تغيب الفكرة يبرز الصنم” كما يقول مالك بن نبي، ولا أعتقد أنّ الناس يخرجون من أجل إنتاج نسخ منقّحة من الاستبداد ورموزه، بل لتحسين أوضاعهم، وبناء دولة الحق والعدل والقانون، لأنّ “الأفكار التي تتعرض للخيانة تنتقم لنفسها” كما خلُصَ إلى ذلك مالك بن نبي، أي أنّ المجتمع عندما يشعر أنّ أمانته لدى حكّامه قد تعرّضت إلى المصادرة والتزييف، يمكنها أن تثأر لنفسها في لحظة تاريخية، غير أنّ هذا الثأر لا يكون بصواريخ الناتو لأنّ ذلك يدخل في خانة.. القابلية للاستعمار. هكذا قرأ مالك بن نبي أحداث العرب في 2011‮ ‬‭..‬‮ ‬
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
19
  • abdou

    ""يعود مالك بن نبي المتنبئ علما بما سيكون من أمر هذه الأمة ......"" أستغفر الله
    عندما يحل الأدب محل العقيدة الصحيحة .

  • mohamed lamine

    و قال بن نبي ايضا إن ثمن الوعي آرخص من ثمن الخبز في معضم الدول الإسلامية والسبب في دالك يعود إلى نفاق الطبقة المثقفة و الطبقة السياسية فهدا النفاق كالسائل الحلو يجدب الدباب عندما يفيض.

  • مواطن

    تتحدث عن مفكر عالمي ذو فكر حضاري مجدد وانت تنتمي الى حزب استئصالي مزور

  • algerien

    الفرق بينك وين بني انه لا يهادن السلطة

  • mohammed

    هذا الرجل مثقف جزائري جدير بالاحترام .. .. انا شخصيا معجب به

  • بدون اسم

    شكرااستاد على الجهد المبدول لتحليل ومناقشة افكار المفكر مالك ابن نبى

  • حر..حر وحر...

    ها قد سمعتنا يا سي ميهوبي وابتعدت عن الميركاتو والكلاسيكو ورجعت الى أجواء الفكر والثقافة وهو والله فضيلة كما يقال وما اقواها بداية ....لا سيما إذا تطرقنا إلى الربيع العربي ومقالات الفضيل (بفتح الفاء) بو مالة ولندع الكلاسيكو للكلاسيكيين..60 حولا إلى الوراء.لأنه مصير أمة بأكملها وإذا لم يتفوه المثقفون والمفكرون بكلمة فمن يبوح بما يخلج وبما يحترق بداخله.....؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

  • laghouati

    سيدي : أرجو أن لايضيق صدرك
    لقد غردت بحنجرة غيرك ، لأنك لم تذكر لنا طرق حل مشاكلنا مع الحكام كما رأى مالك بن نبي ، ولا وفق ما ترى ، وأعتقد أن عجزك ـ أيها الكاتب ـ سببه تذبذب موقفك وتحيزك السلطاني إلى جانب أدعياء البلاط ، وهو يفهم من خلاصة مقالك .
    والحقيقة أن موقف المرحوم بن نبي كما ينقله تلامذته المقربون وكما نفهمه سيكون حتما مع ثورات الشعوب وما تفرزه ـ إن شاء الله ـ من نخبة سياسية متشبعة بالروح الإسلامية ، فليمت كل مشكك بغيضه . إنتهى الكلام .

  • masry moghtareb

    إستمتعت جدا بمقولات مالك بن نبي اللذى لم اكن اعرفه من قبل
    وسأدخل لابحث عن كتاباته على الانترنت
    اما صاحب المقال عفوا إسقاطاتك التحليليه على مقولات ذلك الرائع مالك لا اجدها الا تفسير شخصي منك ليس له علاقه بالواقع
    فسرلى ماللذى كان امامنا فى مصر لنفعله لتغيير واقعنا المرير مع مبارك وعصابته؟
    لا تقل تغيير سلمى لانه وعصابته ماكانوا ليقبلوا به
    مستقبلنا مع مبارك كان معروف نهايته وهى السواد
    اما الان فلنا جميع الاحتمالات وبعون الله سنصل للافضل
    وقبلما انسي.....شكرا لتونس عرفتنا ان الديكتاتور جبان والشعب قوى

  • مواطن

    لما هذا التهجم على كاتب المقال على أنه ضد الحراك العربي , هذه مشكلتنا بالضبط لا نقبل الرأي المخالف ولا النقد البناء. إذا كانت نتيجة الحراك العربي إنتاج شكل جديد من الاستبداد و أحادية الرأي فهو غير مرحب به . إذا أسقطنا نظاما وحطمنا كيان دولة وفي المقابل لم نحارب نزعة الحقد والانتقام في أنفسنا ولم نغير ما بنا من جمود العقل وضيق الأفق فهو الخطر بعينه لأننا في هذه الحالة نكون قد رجعنا إلى الوراء .

  • سمير

    بعض التعليقات التي تفضل بها القراء الكرام، لا تتناول المقال إنّما كاتب المقال، والذين يهاجمونه يفضون الرأي الآخر، ثم إنّ المقال كان متوازنا جدا وليس فيه ما يسيء إلى أيّ كان، وحتى الثورات التي قامت، نسمع اليوم صنّاعها يعيدون النظر في بعض جوانبها، فالنقد أمر ضروي لتقويم الأخطاء. أما أن يكتب ميهوبي عن ميسي وبلحاج فأمر جميل، لأن الكاتب الجاد هو الذي يتناول ظاهرة ما، مهما كانت طبيعتها، فتحية للأستاذ عزالدين ميهوبي، ولنكن منصفين لرجل مبدع ومثقف رصين.

  • اعمر

    أعطينا حاكما عادلا أعطيك شعبا لا يثور.أيّ حاكم هذا و أيّ شعب هذا؟اعتقدنا أنّ فرنسا نموذج في' الديموقراطية 'يُخيّل إلينا أنّ رئيسها عادل و لكن بما أنّها بلد 'ديموقراطي' فقد حكمت المحكمة على شيراك بسنتين سجنا مع وقف التنفيذ !فالصنم هنا لا ينمو مادامت الفكرة تنمو،أمّا الثورات العربية فيخطط لها غير العربي و ينفذها العربي و يدفع ثمنها العربي و يستفيد منها الغير ثمّ العربي النّاشئ.فكر مالك بن النبيّ أكبر من يُحلّل على صفحات الجرائد،شكرا للأستاذ ميهوبي الذي لم يعلّق هذه المرّة على ميسي و بلحاج.

  • سمير القمري

    أنا من مصر، واتابع صحيفة الشروق الجزائرية التي تعرفت عليها ايام أزمة الكرة بين الجزائر ومصر منذ عامين، وكنت اسمع كثيرا باسم عزالدين ميهوبي وزير الاعلام الجزائري الذي نعتبره في مصر صوت العقل والحكمة، ولم يكن من الذين مارسوا بتصريحاتهم التجريح او الإساءة لمصر رغم الانزلاقات الكثيرة التي حدثت، واكتشفت اليوم انه يكتب مقالا بالشروق، وعرفت منه قيمة المفكر مالك بن نبي، وانا اشاطره فيما ذهب اليه بشان الثورات، لأننا بفعل العاطفة نحملها ما لا تطيق، لننتظر سنوات لنرى النتيجة، لان المسالة ليست فاست فود.  

  • baki

    شكرا سيدي لقد لخصت الكثير فى هذه السطور وهذا من شيم الأدباء فعلا لم يعد يسمح بالكوبى كولي اولا لأن الوقت لا يسمح لذالك وكذالك لان الاعادة ليست سهلة الشئى الذي اريد ان اقوله لك هو انك تتحفنا بمقالاتك فى الشروق و كذالك فى الخبر لان الموضيع التى تتطرق اليها ورغما بصاطتها فى بهض الأحيان تجعل منها تحفة شكرا جزيلالك سيدى

  • ابن القصبة

    لو كنت تفقه حقيقة أفكار مالك بن نبي لما كنت جزءا من نظام قائم على نقيض أفكار مالك بن نبي ، لكنكم ظهرتم كأدباء في زمن غاب فيه العلماء والأدباء والمفكرون المتحررون إلا الثلة

  • ابن عين الخضراء

    مايعجب في مقالك هو فقط الجانب اللغوي ، أما ألأفكار فهي بعيدة أو على ألأقل لا تجانب الصواب في مقاربتها على الثورات العربية .
    ماجرى مِخرا في تونس و ماهو جارفي مصر يدعو الى الى إعادة النظر في مفهوم الشعب العربي و مفاهيم أخرى مرتبطة به مثل التعاون ، الحرص على ألأخوة ... بدل التفسير التهجمي الخائف لأنه عندما تغيب ألأفكار البنائة الهادفة تبرز ألأصنام كما رددتها في مقالك و كما قالها المرحوم بن نبي .

  • توفيق الجزائري

    سي عز الدين ميهوبي....مازال عندك القابلية للاستعباد....تصغر من شأن الثورات العربية......لأنك...رضعت من ثدي ..النظام الجزائري.....

  • ثابت الجزائري

    أرجو أن تعيد قراءة كتب ابن نبي، فهو ينتقد الثورة الجزائرية من حيث أنها اقتصرت على محاربة الاستعمار ولم تتحرر من "قابلية الاستعمار" المفهوم الذي ابتكره سنة 1948 في كتابه شروط النهضة، وظل بسبب هذا المفهوم محل هجوم الجهلاء من السياسيين ورجال الثورة الذين توهموا أنهم هم من أخرجوا فرنسا واعتقدوا أنهم حرروا الجزائر. وكان عليك أن تقرأ الراهن الجزائري في ضوء أفكار مالك بن نبي لا أن تتخذه عكازا لتتهجم على الثورات. ويبدو أنك تبذل جهدا جهيدا لتقلل من شأن الثورات كما لو أن الأمر موكول إليك.

  • رشيد السوقري

    بارك الله فيك..