مالك بن نبي و”عبيد النورونات”
دَفعني كتاب “ماركو دي لالونا وباولو تشيوني” الذي يحمل عنوان “عبيد النورونات” إلى إعادة قراءة مالك بن نبي مرة أخرى في مجال القابلية للاستعمار، والهزيمة النفسية التي يَعرفها العقلُ المسلم، ونحن نعيش الذكرى الـ43 لوفاته رحمه الله.
لقد ناقش هذا الفيلسوف الجزائري العبقري الذي لم نَتمكن للأسف من تحريك أفكاره على أرض الواقع، بعمق، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، وانتبه قبل أكثر من نصف قرن إلى أن مشكلتنا روحيةـ عقلية قبل أن تنعكس على الجانب العملي، وتبدو في شكل عدم قدرة على الإنتاج أو الفعل، أو القابلية للخنوع والسيطرة، أو الخضوع للغريزة وأوثان العصر.
ولو أردنا أن نحصر عباراته في هذا الجانب لوجدناها تحمل أكثر من دلالة، مثل الهزيمة النفسية، والتكديس بدل البناء، والوهن الفكري، وذِهان التعالي والنكوص إلى الوراء، وذِهان السهولة أو المستحيل، والعقل الذري صاحب الأفكار الميِّتة والقاتلة والشيئية… إلخ.
وعند قراءة كتاب “عبيد النورونات” Neuro-ésclaves نجده يتحدث عن كافة الأساليب المُطَوَّرة منذ أكثر من نصف قرن لزيادة تعميق الأزمة في هذا الجانب الضعيف في العقل المعاصر، أما عند إسقاط ذلك على واقعنا، فنجد أننا أكثر استعبادا من غيرنا، وأن الحالة العقلية والنفسية التي تَرَكَنا عليها المفكر مالك بن نبي عند وفاته في سنة 1973، قد ازدادت تدهورا، وزدنا جهلا بالوسائل المستخدَمَة تجاهنا وتجاه العالم.
يكفي أن نعلم كما أشار الكاتبان أن أشهر المواقع في الأنترنت كتلك التابعة لمايكروسوفت أو غوغل أو ياهو أو فايسبوك، أو يوتيوب أو سكايب او إِبل… هي في الواقع جزء من نظام “بريزم” Prisme الذي تستخدمه وكالة الأمن القومي الأمريكية، لمعرفة ما يدور بعقول الناس والتأثير فيها، وأننا كما بقية شعوب العالم لا نتحكم في المعلومات التي نتبادلها، ولا ندري أي تأثير تتركه على حالتنا النفسية، وعلى قابليتنا للاستعمار مرة أخرى.
يكفي هذا لنعلم أننا تحت الرقابة وتحت التأثير منذ عقودٍ من الزمن، وأننا لا نُريد أن نَستفيد مما نَبَّهنا إليه مالك بن نبي منذ أكثر من نصف قرن.
فهل ننتظر ثورة من الآخرين على حرب العقول لكي نقوم نحن بردة الفعل؟ أم علينا أن نُسارع إلى ابتكار وسائل الدفاع الذاتية التي تمكِّننا من البقاء، بدءا بالعودة إلى النهل من مصادرنا الروحية والأخلاقية والعقلية والإنسانية التي لم يعد يتردد الباحثون الغربيون في الإشارة إلى أهمية العودة إليها؟ هل ننتظر منهم إعادة قراءة مالك بن نبي؟ أم علينا فتح باب الأمل بأنفسنا، والشروع حقيقة في الانتصار على جبهة الصراع الفكري؟