الرأي

متى نهتمُّ بالعقول؟

قبل سنتين صُدِم العالمُ أجمع بانتشار فيروس جديد لا يعرفون عنه شيئا غير قدرته على الفتك بالبشر بتدمير جهازهم التّنفسي، وفي مواجهة هذا الوباء الخطير توقف النشاط البشري على الكرة الأرضية، وأغلِقت الأسواقُ والمطارات والمدارس والمنتزهات والملاعب، وتوقّفت مظاهر الحياة في المدن، وعمّت أخبار الموت، وانتشرت مشاهد مروِّعة عن الموت الجماعي للمسنِّين في المستشفيات وفي دور الرعاية.

حينها التفت الجميعُ إلى العلماء لعلّهم يفعلون شيئا لوقف هذا الوباء، كما التفتوا إلى الأطباء الذين تحوّلوا إلى جنود في الصّفوف الأولى لمواجهة الوباء، واكتشف العالم أجمع أن مشاهير الفن والغناء والتمثيل والرّياضة وغيرهم من مشاهير “السّوشل ميديا” لا قيمة لهم ولا يمكن التعويلُ عليهم في مواجهة الوباء.

وفي الواقع، فإنّ مكانة العلماء وذوي العقول في الغرب كانت محفوظة قبل الوباء؛ فالعلماء وكل المشتغلين بالعلم من أساتذة ومدرِّسين وباحثين ومطوِّرين يحظون بالرّعاية التامة ولهم مكانة في المجتمع، أما مشاهيرُ الفن والغناء فهم للترفيه فقط ولا يمكن أن يأخذوا مكانة أعلى من العلماء.

لكن الذي يحدث في المجتمعات المتخلّفة، ونحن جزءٌ منها، عكس ذلك تماما، إذ يتم الحط ّمن قيمة العلم وأهله، والدّليل ما نراه في مدارسنا وجامعاتنا، حيث الأجور متدنية، وأوضاع الأساتذة والباحثين الاجتماعية متدهورة، وفي المقابل يحظى المشتغلون في عالم كرة القدم مثلا، من مدرِّبين ورؤساء فرق ومناجرة وغيرهم، بعناية خاصة، ويتلقى اللاعبون أجورا خيالية لا تتناسب إطلاقا مع الخدمات التي يقدِّمونها، وتثير الكثير من الأسى والحسرة في نفوس ملايين العمال والموظفين البسطاء الذين يتلقون أجورا متدنية لا تكفي لسدّ الحاجيات الأساسية لأطفالهم.

يكفي أن نعلم أن مؤسسة تربوية بها أزيد من 500 تلميذ و50 أستاذا وموظفا، لا تتجاوز ميزانيتُها السنوية ربعَ ميزانية فريق متواضع في كرة القدم، لنتأكد أننا لا نهتمّ بالعقول بقدر اهتمامنا بلعبة الجلد المنفوخ الذي لا يمكن أن تغيِّر واقعنا التعيس حتى ولو نلنا كأس العالم!

والغريب أننا لا نهتم بانتكاساتنا في كل مجالات الحياة مهما كانت كبيرة، لكننا نثور عندما تكون الانتكاسة في كرة القدم، حدث ذلك قبل أيام، وحدث سنة 2017، عندما ثار الجميع بعد إقصاء المنتخب الوطني من مونديال 2018، وطالبوا بمعاقبة المتسببين في الإقصاء، وفعلا تم ذلك وأقيل الناخبُ الوطني والطاقم المسيِّر للفريق، وفي مصر شبّه وزيرُ الرياضة أشرف صبحي خسارة المنتخب المصري نهائي كأس إفريقيا أمام السنغال بنكسة عام 1967!

سيتغير حالنا إلى الأحسن عندما نعيد ترتيب الأولويات في حياتنا، وأوَّلُ خطوةٍ هي الاهتمام بالعقول، من خلال تغيير وضعية التعليم والاهتمام بالمشتغلين فيه، والرفع من شأنهم وجعلهم في قمّة السُّلَّم الاجتماعي، ومن هنا تبدأ عملية التغيير، أما إذا بقي الاهتمام محصورا في “الأقدام” فقُل على المستقبل السلام.

مقالات ذات صلة