محاكم متخصصة.. ولا محلفين في الجنايات
يتجه القضاء الجزائري، وفقا لتعليمات رئيس الجمهورية، القاضي الأول للبلاد عبد المجيد تبون، في تكريس دولة القانون، نحو المحاكم المتخصصة، للتخفيف عن القضاة وحماية المواطن ومصالح الدولة، وبالمقابل، سيرفع قضاة ومستشارون بالمحكمة العليا إلى الجهات المعنية جملة من الاقتراحات على شاكلة التخلي على تشكيلة المحلفين بمحاكم الجنايات التي تكلف خزينة وزارة العدل الملايير من الدينارات، من جهة، ومن جهة أخرى، فهو إرث من مخلفات الاستعمار الفرنسي.
وفي الموضوع، قال عبد العزيز أمقران، مستشار بالمحكمة العليا سابقا لـ” الشروق”، إنّ “التوجه نحو محاكم متخصصة، هو مطلب رجال القانون والقضاة والمحامين منذ سنوات، وهذا المطلب كان محل توجيه رئيس الجمهورية، القاضي الأول للبلاد، عبد المجيد تبون، في اجتماع مجلس الوزراء بتاريخ 23 أكتوبر 2022، عندما تطرق إلى القانون الأساسي للقضاء”.
وجاء فيه حسب المستشار أمقران “اعتماد مقاربة الفصل في القضايا عبر المحاكم المتخصصة، تخفيفا للضغط عن القضاة، بهدف حماية المواطن ومصالح الدولة على حد سواء تكريسا لدولة القانون”، مؤكدا على أن التخصص في القضايا يرجع إلى تطور الجرائم على غرار “الجرائم المعلوماتية” وعلى هذا الأساس يقول محدثنا “يتطلب تخصص القاضي والمحامي أيضا”.
وبخصوص قضية المحلفين في محكمة الجنايات حسب ما سماهم قانون الإجراءات الجزائية في المادة 284، يقول عبد العزيز أمقران إن “التوجه إلى القضاء المتخصص يتعارض مع بقاء المحلفين في تشكيلة محكمة الجنايات، لأن هؤلاء لهم عيوب، ونقائص كثيرة، فضلا عن كون نظام المحلفين موروثا من العهد الاستدماري الذي كان يتميز بالطبقية، لكن الواقع الجزائري الحالي غير قائم على أساس طبقي، لأن القضاة يتم تعيينهم من مختلف شرائح الشعب، وبالتالي فإذا قلنا إن المحلفين هم الذين يمثلون الشعب في محكمة الجنايات، فالقضاة من يمثلون إذن؟ مع أن القضاة يتم انتقاؤهم للدخول إلى المدرسة العليا للقضاء من مختلف فئات المتخرجين من الجامعات الجزائرية، فهم بحد ذاتهم أبناء الشعب”.
وتابع المتحدث ذاته أن إلغاء المحلفين في الجزائر لا يتعارض مع ما جاء في المادة 170 من الدستور، والتي تنص على “يمكن أن يساعد القضاة في ممارسة مهامهم القضائية، مساعدون وفقا للشروط التي يحددها القانون”، وعليه، فإن هذه المادة الواردة في الفصل الرابع من الدستور المعنون بـ”القضاء”، ولم ترد ضمن الباب الثاني، الفصل الأول المعنون بـ”الحقوق الأساسية والحريات العامة” إذن المادة 170 جاءت بصيغة “الإمكان” وليس “الوجوب” باستعانة المحلفين وعليه يمكن الاستغناء عنهم تماما.
“محكمة الجنايات… الواقع والآفاق” على طاولة النقاش
وفي سياق متصل، أجمع المشاركون من مديري ورؤساء الغرف والمستشارين بالمحكمة العليا ورجال القانون، خلال اليوم الدراسي، الثلاثاء، حول موضوع “محكمة الجنايات…الواقع والآفاق”، المنظم في المحكمة العليا، على ضرورة التوجه نحو محكمة الجنايات المتخصصة مع إلزامية التسبب في الأحكام الجنائية إلى جانب إلغاء نظام المحلفين الذي أصبح عاجزا أمام واقع القضايا.
وبهذا الصدد، قال المدير العام لمركز البحوث القانونية والقضائية بوزارة العدل، رشيد فارح، “السؤال يبقى دائما مطروحا حول الحاجة إلى مراجعة نظام محكمة الجنايات وفقا لمبادئ الشرعية والمحاكمة العادلة واحترام كرامة وحقوق الإنسان المكرسة بالمادة الأولى من قانون الإجراءات الجزائية المعدلة والمتممة بموجب القانون رقم 17 ـ 07”.
وتابع المسؤول “إن إصلاح محكمة الجنايات يقتضي بالضرورة البحث عن أهم الاختلالات والنقائص التي تعتري هذا النظام، وتحديد التصورات التي تضمن احترام توفير ضمانات المحاكمة العادلة وعلى وجه الخصوص وجوب تعليل الأحكام القضائية والفصل في القضايا في آجال معقولة ودون تأخير غير مبرر”.
وتطرق فراح إلى قضية “التسبيب” في الأحكام الجنائية، قائلا “حان الوقت وباسم ضمانات المحاكمة العادلة، وحق المتقاضي في تسبيب الأحكام الصادرة عن أي جهة قضائية، فمن حق المتهم أن يعرف على أي أساس تم إدانته، أيعقل أن نبني مصير المتهم على الأسئلة المطروحة والأجوبة المعطاة أثناء المداولة..؟” بالمعنى أن “مصير المتهم يتوقف على سؤال وجواب، وعلى هذا الأساس فلقد حان الأوان لكي نتجه نحو تسبيب القضايا من حيث القانون والواقع”.
من جهته، وجه البروفيسور في القانون الجنائي، عبد الرحمان خلفي، انتقادات إلى نظام المحلفين، حينما قال “تشكيلة محكمة الجنايات هي تشكيلة هجينة يغلب عليها الطابع الشخصي، فهي تجمع الكثير من المفارقات والتناقضات، وتجمع بين قضاة محترفين وقضاة شعبيين وبين قاعدة قانونية يحتكم إليها القاضي، وقاعدة شعبية أخلاقية يحتكم إليها المحلف”.
وشدد البروفيسور خلفي على ضرورة إلغاء نظام المحلفين تماما، باعتباره إرثا من الاستعمار الفرنسي من جهة، ومن جهة أخرى فـ”دور هؤلاء سلبي لأنهم غير متكونين ولا محترفين ولا يفقهون في القانون والقضايا التي تطرح عليهم، والأخطر من ذلك فهيئة المحلفين لا تحفظ سر ما يحدث في المداولات ولا يعرفون كيف يكتمون حيثيات وتفاصيل وقائع القضايا، فضلا عن المستوى التعليمي”، على حد تعبيره.
وبلغة الأرقام كشف الدكتور خلفي أن المحلفين يكلفون خسائر كبيرة للقضاء الجزائري، حيث تم صرف 43 مليار سنتيم سنة 2018، و51 مليار سنتيم سنة 2019، على هؤلاء وهي مبالغ ضخمة جدا يمكن تجنبها تماما، بالاتجاه نحو التخلي على هذه التشكيلة.
وبالمقابل، ركز رئيس الغرفة الجنائية بالمحكمة العليا، القاضي مصطفى العابدين، على قضية “التسبيب في الأحكام القضائية، والتي قال عنها إنها “حجر الزاوية لتحقيق المحاكمة العادلة، كما تعتبر الوسيلة الوحيدة التي تستطيع المحكمة العليا مراقبة قرارات المحاكم الجنائية، مما يؤدي إلى الفكر القانوني والتطوري”.