مدام دليلة!
أن تخرج ممثلة، أو لنقل ربع ممثلة، تفتقد حتى للموهبة، لتقول إنها حصلت على سكن في ظرف شهر واحد، فيتسبب ذلك في تأليب الرأي العام وشباب الفايسبوك ضدّها، لهو خبر يستحق فعلا الوقوف عنده، خصوصا أنه يبرر لنا مصداقية الاحتجاجات الشعبية المتزايدة في الشارع بسبب أزمة السكنات، ولكن من زاوية أخرى.. سُفلية وليست علوية، أي لها علاقة مباشرة بالقاعدة وليس بالقمة؟!
قبل سنوات، حين قدم الممثل عثمان عريوات في أحد مشاهد فيلمه المثير للجدل “كرنفال في دشرة” شخصية مخلوف البومباردي، الجاهل الذي أصبح رئيسا للبلدية، وراح يستفسر عن سرّ توزيع عدد كبير من السكنات والأراضي على “مدام دليلة”، بكل ما تعنيه هذه التسمية من فساد إداري مختلط بميوعة أخلاقية، راح البعض يضحك من قلبه على واقع نعيشه جميعا، فلكل واحد منا في حقيقة الأمر، سواء بمقر عمله أو في الجامعة التي يدرس فيها، أو حتى في الحافلة التي يركبها والطاكسي الذي يركض وراءه، بين أصحابه وجيرانه وأقاربه.. مدام دليلة تلاحقه وتتربص بحقوقه، وتنغّص عليه عيشه؟!
هناك مدام دليلة في التلفزيون والإذاعة، وفي المؤسسات العمومية والخاصة، وفي الأحزاب والجمعيات، والفرق الرياضية والملتقيات العلمية، وهنالك أيضا مدام دليلة بالجلباب وبالميني، في قوائم الحاصلين على قروض الأونساج ومشاريع التنمية، والمقاولات، وفي قوائم السكنات، وبين المستفيدين من عقود ما قبل التشغيل، وما بعد التشغيل، وفي الإدماج المهني، وهناك مدام دليلة في قوائم الفائزين بمسابقات التوظيف، وفي الحفلات والمهرجانات، وحتى في الجنائز وكل الملمّات؟!
مخلوف البومبادري لم يكذب إلا في شيء واحد، حين صوّره عثمان عريوات محاربا لظاهرة مدام دليلة، أو لنقل قدمه للمشاهدين مصدوما من كثرة ورود اسمها في قوائم الحاصلين على السكنات والقطع الأرضية، رغم أن الجميع يدرك تماما أن اللعبة الإدارية تقتضي أن تحارب كل شيء إلا مدام دليلة، وتفضح جميع الأسرار إلا ما تعلق منها بمدام دليلة، فكل أمر يهون إلا زعاف مدام دليلة، لأن هذه الأخيرة متغلغلة في صلب السلطة وشرايينها، كبِد الحكومة ومشاعرها المرهفة، أحاسيس النظام وعواطفه الجياشة؟!
الزوالية فقط من يحاربون مدام دليلة ويكرهونها، كما لا يثقون في رجولة مخلوف البومباردي، لذلك هاجموا الممثلة، أو ربع الممثلة التي قالت في تصريح إعلامي إنها فازت بسكن خلال شهر واحد، في حين مات البعض هما وغما، وهو ينتظر مجرد مرور لجنة من أجل التحقيق في مشروعية استفادته من سكن، بعد عقود طويلة من جمع الملف تلو الملف، وإيداع الوثيقة بعد الأخرى.. وقد يستسلم ويطلب بعدها أن يحصل فقط على قبر يضمه ميتا، بعدما لم تتسع له الدنيا في ظلّ حكم مدام دليلة؟!!