مدرسة “ريان”
قد ينظر كثير من النّاس إلى قصّة “ريان” على أنّها حادثة من بين آلاف الحوادث التي تعيشها البشرية كلّ عام، وأنّها قد أعطيت حقّها من الحديث، وينبغي أن تطوى كما طويت الوقائع والحوادث قبلها، لكنّنا لو نظرنا إلى الواقعة من زاوية توقيتها لربّما أدركنا أنّها تحمل رسائل يُفترض أن تُفهم ويُستفاد منها، رسائل للبشرية عامّة ولأمّة الشّهادة خاصّة، في أيام طال فيها الأمد على القلوب وشُغلت باللّهو واللّعب، فقست ونسيت مآسي المحرومين والمعذّبين في هذه الأرض.
أمّة واحدة
مأساة ريان كانت في وقت انشغلنا فيه بكأس أفريقيا، وبمن يفوز ومن يخسر في مباريات كرةٍ يفترض ألا تعطى أكثر من حجمها.. انشغلنا بالمشاحنات مع إخواننا المسلمين من حولنا، بسبب الكرة، عن معاناة إخواننا المسلمين في أرض الله الواسعة.. حصلت مأساة ريان عندما شُغلنا عمّا يحصل لأطفال سوريا في مخيمات اللجوء. عندما صارت أخبار أطفال سوريا الذين يموتون بالصّقيع وتتجمّد أجسادهم الجائعة، لا تعني لنا شيئا.. بالتّزامن مع مباريات كأس أفريقيا، ضربت موجةُ برد شديد تزامنت مع ثلوج كثيفة المخيمات في شمال غرب سوريا، وفي لبنان، وخلّفت نكبات ومآسي عاشها أكثر من مليون ونصف المليون مسلم يقطنون خياما لا تقي من حرا ولا قر، وتوفي بسببها كثير من الأطفال والله المستعان.
جاءت قصّة ريان عندما انشغلنا عن أطفال المسلمين في أوروبا عامّة وفي السويد خاصّة، وهم ينتزعون من والديهم عنوة وقهرا، بحجّة أنّ الآباء يتدخّلون في حريات أبنائهم! جريمة سبي مكتمل الأركان بدعوى “حقوق الطفل والإنسان” تجري في أوروبا هذه الأيام، والهدف واضح، هو تغيير عقائد ملايين الأطفال من أبناء المسلمين في بلاد الغرب.
مأساة ريان جاءت لتذكّرنا أنّنا معشر المسلمين أمّة احدة، ربّنا واحد ونبيّنا واحد وديننا واحد، وأنّ هذه الحدود التي تفصل دول المسلمين، هي حدود مصطنعة، رسمها الاستعمار لتفريق المسلمين.. أربعة أيام تألّمت فيها الأمّة المسلمة من المحيط إلى الخليج لمأساة ريان، وكانت العيون تبكيه في المغرب والجزائر وتونس ومصر والسعودية وتركيا وأندونيسيا، وفي كلّ بلاد الإسلام، وكانت الألسن تلهج له بالدّعاء من المحيط إلى الخليج، ورأينا رأي العين مصداقَ حديث النبيّ صلى الله عليه وسلّم: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.
انتهت كأس أفريقيا، وقبلها كأس العرب، وستنتهي مجريات كأس العالم؛ فهل من الضروري أن ننسى درس ريان ونشعل النيران مرّة أخرى لأجل مباريات كأس، نعلم يقينا أنّنا لن نظفر بها، وأنّنا لو ظفرنا بها فلن تعود علينا بأيّ فائدة تذكر في مستوى معيشتنا ولن تسهم في ترقية تعليمنا ولن ترفع تصنيفنا في أيّ مجال من المجالات.
مأساة أيقظت القلوب
مأساة ريان جاءت لتكشف الغشاوة عن قلوبنا القاسية، ولتستمطر عيوننا القاحلة؛ فكم من قلوب طال عليها الأمد فقست، كانت قصّة ريان سببا في لينها، وكم من عيون مرّت عليها الشّهور والأعوام ولم تدمع، كانت قصّة ريان سببا في بكائها!
قصّة ريان المغربي ذكّرتنا بحقيقة الموت الذي لا يفرّق بين صغير وكبير، ولا بين ذكر وأنثى، ولا بين صحيح وسقيم.. لكلّ حيّ أجل وميعاد لا يتعدّاه، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾؛ فربّما يموت الصّحيح ويشفى المريض، وربّما يموت الصّغير ويؤخّر الكبير.. الموت أصبح أهمّ حدث في هذه الدّنيا.. من بداية العام الهجري 1443 توفي أكثر من 30 مليون إنسان.. في كل يوم يموت ما لا يقل عن 160 ألف إنسان في هذا العالم.. في كلّ يوم نسمع خبر وفاة، وفي كلّ يوم تقريبا نشيّع ميّتا، نحمله إلى قبره، ونرى أثناء تشييعه قبور من سبقونا من والدينا وجيراننا أقاربنا وأصحابنا الذين كانوا معنا في دنيانا هذه يأكلون ويشربون ويذهبون ويجيئون ويسرحون ويمرحون، ثمّ رحلوا إلى دار البقاء من غير رجعة.. تعدّدت أسباب الموت وكثر موت الفجأة، وأصبحت أخبار الموت وأخبار الرّاحلين هي أكثر الأخبار في الصّفحات والمجموعات، فحريّ بنا أن نتّعظ قبل أن يفجأنا الموت من غير ميعاد، فيتمنّى الواحد منّا لو يؤخر يوما واحدا أو حتّى ساعة واحدة، ليصلح الفوضى التي تركها خلفه، ويؤدّي الأعمال التي ظلّ يؤجّلها ويؤخّرها، ويطلب الصّفح من كلّ من آذاهم وظلمهم وعاداهم.