مسجد باريس غارق في الفساد وفرنسا تفضل دليل بوبكر لضعفه
مهما اختلفت الآراء حول المفكر غالب بن شيخ، لا يمكن لمراقب موضوعي أن ينكر تأثيره في ساحة الفكر الإسلامي في الأعوام الأخيرة، وخاصة بعد رحيل المفكر الكبير محمد أركون الذي رفرف بروحه في ثنايا حديث غالب، حيث قال إنه يشرفه أن يعتبره المتخصصون وريثا شرعيا لمنظر الأنسنة في الإسلام.
في الحديث العاصف والسجالي الذي سيخلف الكثير من الضجيج واللغط في أوساط المواطنين العاديين والمثقفين والمسؤولين المعنيين بالشأن الإسلامي، كشف اللثام عن قصة الانقلاب الذي تعرض له حينما طرحته جهات مسؤولة عالية المستوى لخلافة العميد الحالي دليل بوبكر على رأس مسجد باريس، وسرد فصول مسلسل مائة شهر وشهر، متحدثا بلغة دفعته إلى الخروج عنوة عن رزانته المعهودة للتنديد مكرها بواقع مأساوي، سيحاسب عليه كل من ساهم في زرعه وتغذيته على حد تعبيره. الحديث كان فرصة لتكريم والده الراحل الشيخ عباس الحسين، العميد السابق لمسجد باريس، وعن أوجه التركة الفكرية والأخلاقية والنفسية التي بثها فيه، ولمناقشة ملف تمثيل الإسلام في فرنسا، وإشكالات عديدة تتعلق بتصوراته للممارسة الفكرية المطلوبة حيال الدين، الذي أضحى سجلا تجاريا في أيدي المثقفين الفرنسيين، الذين وصف الكثير منهم بالأقزام، كما أن الدين راح ضحية الناطقين باسمه من أبناء جلدته، بشكل أقبح من ذنب، وتلك هي الطامة الأكبر في نظره. وبحكم تقاطعه مع طرح المفكر الجزائري الراحل محمد أركون وكتحصيل حاصل، كرم غالب المفكر الذي قارع كبار المثقفين الفرنسيين في عقر دارهم، وجال العالم سفيرا للإسلام المستنير، وتحسر معنا على دفنه في الدار البيضاء، وليس في الجزائر، التي يقال أنها بيضاء أيضا، لكنها تتعامل مع مفكريها غير التابعين بخلفيات سوداء العواقب والمعاني.
في البداية كيف يمكن الحديث عن تأثير والدكم الراحل الشيخ العباس على شخصيتكم بوجه عام وعلى مقاربتكم الفكرية، علما أن الكثير يجهل أنكم ابنه إلى جانب صهيب مفتى مرسيليا السابق؟
من الصعب جدا أن أتحدث عن التأثير العام لوالدي علي في سياق حديث صحفي بسبب كثرة تجليات قوة شخصيته، واكتفي بالقول إنني تربيت على إيقاع أحاديث عامة وخاصة الناس الذين عايشوه وشهدوا على قوة شخصيته ونفوذه داخل وخارج الجزائر وعلى دوره التعبوي كإمام يرتجل خطبه الدينية والسياسية بسهولة لافتة وبروح جريئة وغير عادية. وحتى أؤكد تجذر تأثيره في شخصيتي، تذكري إلى يومنا هذا تعليقات الناس في صالون الحلاقة أيام الثورة التحريرية عن خطبه النارية التي تسببت في اعتقاله في سكيكدة واعتراضهم موكب اقتياده إلى سجن قسنطينة، متحدين خراطيش المياه الساخنة والسياط واستقالته من المجلس الإسلامي الأعلى التي كانت الأولى من نوعها في العالم العربي والإسلامي في زمن لم تكن فيه ثقافة الاستقالة قائمة. عائليا لا يمكن تصور حجم ونوعية التأثير الذي خلفه من ورائه على كافة المستويات بحكم تفرده بشخصية وطنية وعلمية معروفة بحبها للعلم وبانفتاحها على الحوار والثقافات العالمية الأخرى وبفهمها للدين الإسلامي من منطلق روحاني عميق وبتأثرها الكبير بالحضارة الإنسانية وبشغفها بالشعر والموسيقى.
لا يمكن الحديث عن قوة شخصية والدكم رحمه الله دون التوقف عند الدور الكبير الذي لعبه كعميد سابق لمسجد باريس، وهو الدور الذي سبق أن تحدث عنه الدكتور حسين رايس في حديث سابق لـ“الشروق“، لكن هذه المؤسسة تثير الشبهات في الأوساط الجزائرية المهاجرة، ما تعليقكم؟
بعيدا عن العاطفة، أقول إن مسجد باريس كان منارة فكرية تشع بنورها ليس في باريس وفرنسا وأوروبا فقط، بل حتى في العالم العربي والإسلامي لما كانت له من أصداء شهد عليها كبار رجال الدبلوماسية والفكر والدين والسياسة والثقافة بوجه عام. منطقيا وأخلاقيا لا داعي لتكرار ما حدثكم عنه الدكتور رايس الذي أنصف الوالد كما يجب وأنت شخصيا كتبت في جريدتكم ترثي حال المسجد الذي تحول من منارة فكرية إلى مسجد تقليدي يشبه أي مسجد في قرية نائية على حد تعبيركم على ما أظن . السمعة التي عرف بها مسجد باريس لم تكن منفصلة عن شخصية الوالد كرجل صاحب تاريخ ومبادئ وكاريزما وكدبلوماسي سابق وكإنسان محب للاجتماع والدعابة والتواصل والفضول والعمل الذي كان يقوم به في المسجد، كان يمتد إلى البيت الذي اصبح ناديا فكريا تتردد عليه شخصيات كبيرة ومرموقة، وبلغ به الأمر إلى أن يضحي بغذائه لاستقبال الضيوف، والحمد لله أن جريدتكم لم تتردد في تكريم هذا الرجل الذي مهما اختلفنا حول شخصيته أو مزاجه لا يمكن إلا لجاحد أو صاحب روح عدائية مجانية نكران تركته الإيجابية التي لم يحافظ عليها كما تفعل الأمم المتحضرة والواعية برهانات عالم اليوم. مسجد باريس الذي كان حاضرة علمية أصبح يطلق عليه اليوم مسجد الدائرة الخامسة كما يقال عن مساجد صغيرة مقارنة به وحتى مسجد السنة الذي يديره الدكتور العربي كشاط بكفاءة مشهودة في الدائرة التاسعة عشر أهم اليوم فكريا من مسجد باريس الذي أصبح فريسة في مخالب إدارة عامة لا تفقه في الدين شيئا، وكما يقال في الطب، فإن هذا المسجد ميت إكلينيكيا منذ عدة أعوام.
بهذا الكلام، أنتم تتحدثون بروح أقرب إلى مفهوم تصفية حسابات و“الشروق” لا تتحمل مسؤولية كلامكم الخطير؟
أبدا، هذه حقيقة، والعام والخاص يعرف ذلك، وموقعي لا يسمح لي أخلاقيا أن أنزل إلى مستوى تصفية حساب مع أي طرف، وكل ما في الأمر هو أنني أقول الحقيقة التي تؤلم كل جزائري ومسلم غيور على وطنه ودينه وحضارته. وحتى أكون واضحا أضيف قائلا أتحمل مسوؤلية تصريحاتي، لأنني رجل حر ولست من الذين يجرون وراء المناصب، وحياتي الخاصة والمهنية الفكرية مليئة، ولست في حاجة إلى تصفية حساب يقوم بها أناس ليسوا في مستواي الفكري والأخلاقي .
لكن ذهبتم إلى الجزائر عدة مرات وتشاورتم مع مسؤولين كبار في الموضوع، وهل يحرجكم الأمر إذا طلبت منكم التحدث لنا عن ما جرى، ولماذا بقي الأمر معلقا حتى إشعار جديد؟
إذا كنتم تريدون الصراحة أكتبوا ما يلي: لقد ذهبت إلى الجزائر منذ عام 2011 خمس مرات على أساس خلافة الدكتور دليل بوبكر بعد لعب القنصل عبد الرحمان مزيان شريف الوسيط بيني وبين مسؤولين كبار في الجزائر، وحينما وصلت، طلب مني أن أعطي رأيي في واقع الإسلام والمسلمين في فرنسا وأوروبا بوجه عام، وفي مشروع تسيير مسجد باريس كمؤسسة تابعة للمركز الثقافي الجزائري الذي كان يسيره يومها الروائي ياسمينة خضرا، وكما كان منتظرا استغربت المقاربة، وقلت أنه ليس بهذه الطريقة يمكن أن تدار مؤسسة في حجم مسجد باريس المتعدد الدلالات والأبعاد الحضارية.
وكيف انتهت الأمور، وماذا حدث تحديدا؟
التسويف كان سيد الموقف، وكما ترون مازال بوبكر عميدا لمسجد باريس، وبالمناسبة أضيف أنني قابلته بعد أن أعلم بالأمر، وطمأنته أن المنصب في ذاته لا يهمني، لأنني كنت دائما حرا وطليقا وسعيدا بمهنتي، والحاجة الوطنية تقتضي أن يقبل الإنسان بمهمة يفرضها تاريخه وقدراته واختصاصه. اليوم لست نادما على موقفي، لأنني لبيت نداء الوطن والضمير، ولم أكن في قبضة جهة معينة، وكان يهمني أن أعيد الوهج الحضاري للمسجد الذي طاله الإضمحلال والنزق والانبطاح كما تعرفون، ولا أنكر بالمناسبة علاقة العاطفة بالمنصب الذي تقلده والدي رحمه الله، لأن الأمر طبيعي، ويكذب من ينكر الجانب العاطفي في هذه الحالة.
هل نفسر عدم تزكيتكم في النهاية بأن الطرف الذي عارض اسمكم هو الذي انتصر؟
الأمر لا يحتاج إلى تعليق، ولا يتحمل أدنى شك، وربما قد أكون قد دفعت ثمن موقف ولائي للوطن وليس لجهات نافذة معينة.
إلى أين وصلت القضية اليوم، ومتى كان الاتصال الأخير بكم؟
تحركت الأمور قليلا في ديسمبر الماضي بعد ان تحدثت مع مسؤولين عن النظام الداخلي الواجب تطبيقه، ووقتها قيل لي إنه سيبتّ في الأمر نهائيا بعد شهر.
أفهم أنكم مازلتم على استعداد لتنفيذ المهمة؟
نعم، ولكن رافعا شعار الآية الكريمة “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم” صدق الله العظيم.
كيف تربطون مثلا بين واقع مسجد باريس اليوم وبين دوره في تمثيل الإسلام في فرنسا من خلال المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية إلى جانب حساسيات إسلامية أخرى وخاصة المغربية القوية ميدانيا؟
إنه الربط الذي تفرضه الرداءة الطاغية التي تميز عمل المسؤولين ولا أقول هذا الكلام للتشفي، لأنني لم أحصل على المنصب، والإسلام بريء من أولئك الذين يمثلونه بشكل فلكلوري متخلف، والمغاربة الذين نتنافس معهم حول ملف تمثيل الإسلام أكثر فعالية مهنية منا، وأقول هذا الكلام رغم أنني لست من مؤيدي طروحات بعض الجهات التي تمثلهم كاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا الذي يجلب من خلال ملتقاه أكثر من 150 ألف زائر كما يقال، ويصنع الحدث الإسلامي سنويا. شخصيا أعزو سبب الرداءة الجزائرية إلى إعطاء مسؤولية مسجد باريس إلى شخص لا يفقه في الدين، ولا يتكلم اللغة العربية، ولا يملك أي باع في الخطابة والمعرفة الدينية بوجه عام، ولم يعتل يوما منبرا، ولا يهمني إن كان يصلي أم لا، مادام الأمر ليس معيارا كافيا لأداء المهمة. الأخطر من ذلك، هو أن ضعفه وتشبثه بالكرسي تركا الجالية الجزائرية لا تحترمه ولا تعترف به، ناهيك عن تخاذله الذي سمح للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية أن يبرز بحساسياته الأخرى وأن يخلق مؤسسة موازية له في الوقت الذي كان بإمكانه تمثيل المسلمين كقطب محوري يلتف حوله كل المسلمين في ديار الهجرة.
معذرة دكتور، إذا قلتم إن كلامكم سيبدو انتقاميا وفاقدا للمصداقية مادام يرادف في نظر البعض تصفية حساب مع مسجد باريس ومع عميده الحالي، علما أن المؤسسة تابعة للجزائر كدولة ولحكم رجال أرفع من العميد، وهم الذين فضلوا بقاءه رغم الصورة البائسة التي تعطونها عنه، ما هو تعليقكم؟
سيكون الأمر كذلك إذا اتضح أن ما قلته غير صحيح، ولست مسؤولا عن اختياري خلفا للعميد الحالي، كما اني لست مسؤولا عن عدم تزكيتي، كما أنني لست مسؤولا إن كنت أحد أبناء العميد الذي ترك إرثا إيجابيا لم يحافظ عليه. من ناحية أخرى، أنت لم تترك لي الفرصة لاستكمال شرحي حتى لا تظهر أقوالي عدائية موجهة ضد شخص العميد الحالي، وأقول الكلام نفسه عن عمر أو زيد لو مثل أحدهما الحالة المأساوية التي يعرفها مسجد باريس بشهادة معظم أفراد الجالية العربية والجزائرية بوجه خاص. أكمل فأقول إن مسجد باريس هو انعكاس لوضع جزائري عام، وبقاء العميد الحالي أكثر من 23 عاما رغم الحصيلة المذكورة المفجعة يتركني أضيف أن التاريخ والله سيحاسبان كل المسؤولين الذين تركوا الوضع على حاله، ولست أنا الوحيد المؤهل لإدارة مسجد باريس كما تعلمون.
..وهل يحرجكم الأمر حينما يقول الكثير من المهاجرين المسلمين أن دليل بوبكر يخدم الخلفية الاستعمارية الفرنسية التي تؤكد صحة مقولة “عرب الخدمة“، علما أن البعض الآخر يتهمكم بالتركيز أكثر على مسؤولية المسلمين حيال ما يسمى بإسلام فرنسا، في الوقت الذي يفضل فيه وزراء الداخلية الفرنسية التابع لتوجيهاتها والخاضع لإستراتيجيتهم. رغم ذلك تستمر فرنسا في تحميل المسلمين المسؤولية في بلد علماني يفترض أن تفصل فيه السياسة عن الدين، وهذا ما عشناه مع حادثة شارلي التي دفعت بالسلطات الفرنسية إلى تأسيس هيئة موازية للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية كتعبير غير مباشر عن عدم رضاها بأدائه وعن مسؤوليته غير المباشرة في بروز الأخوين كواشي وقبلهما الكثير من الشبان المتطرفين. كيف تردون؟
الازدراء الذي تشيرون إليه من منطلق استمرار النظرة الاستعمارية لا يتحمل أدنى شك، وتفضيل محاور مسلم ضعيف يسمح بالسيطرة عليه وتوظيفه وفق الأهداف المعلنة والمبطنة مازال حقيقة الساعة، وعميد مسجد باريس الحالي غير قادر على مواجهة السلطات الفرنسية المعنية بالشأن الإسلامي، وسمعناه في كثير من المرات يقول: “نعم، سيدي وزير الدولة“، لكن السلطات الغربية والفرنسية بوجه خاص لا تعترف بأن الهدف من تفضيل مسؤولين قاصرين يمثلون الجالية المسلمة يمت بصلة لنظرتهم الاستعمارية القديمة، وفي نظرهم دليل ليس ضعيفا، وهو يمثل الاعتدال ضد الإسلام المتطرف والإرهابي، وهذا هو الأهم في تقديرهم، وهذه هي الكارثة في تقديري، لأن مواجهة التطرف الإسلامي الذي أحاربه فكريا يوميا، وأكرس له محاضراتي وقدراتي الأكاديمية لا يواجه بمسؤول مثل دليل بوبكر، وأعيد وأكرر أن كلامي ليس موجها ضده شخصيا، كما يمكن أن يفهم، لكن وللأسف الشديد ليس هناك طريقة أخرى للتعبير عن الكارثة التي أصابت المسلمين في فرنسا دون تسمية الأشياء بمسمياتها، والسكوت على هذه الحقيقة اليوم بعد أن طفح الكيل يعد جريمة في حق الإسلام والمسلمين وفي حق الجزائر والجزائريين، وفرنسا التي ترضى على المنبطحين ليست وحدها المسؤولة على الحالة الكارثية التي وصل إليها مسجد باريس، والجزائر مسؤولة أيضا، لأن مسؤوليها على علم بما يحدث.
لتلطيف الجو قليلا، والتخفيف من ضغطكم النفسي الواضح، أخبركم أن كتاب “الجزائر فرنسا… قصة عاطفية” الذي صدر في شهر مارس الماضي قد تحدث عن المسؤول السابق لمطعم مسجد باريس وعن علاقته بمسؤول جزائري دخل معه في صراع شخصي، وحتى الشاي الذي يباع في المقهى الذي يؤمه السياح الأجانب أقرب إلى الماء الأصفر منه إلى الشاي بحسب تعبير أحد الجزائريين المقيمين في فرنسا. ما تعليقكم؟
شر البلية ما يضحك، ولا حول ولا قوة إلا بالله ونوعية شاي مسجد باريس الرديئة جزء لا يتجزأ عن سمعته البائسة.
هذا المسجد الذي تقولون أنه بؤرة فساد بطريقة غير مباشرة هو نفسه المسجد الذي مازلت على استعداد لتسييره، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. صدق الله العظيم. ربما لهذا السبب تم رفض إسمي حتى لا يكشف المستور عملا بمقولة “وما خفي أعظم“.