مشكلتنا في السياسات أم في الأشخاص؟
أصبحنا نعرف عن الأشخاص أكثر مما نعرف عن السياسات، نكاد نَطَّلع على خصوصيات الأشخاص ولا نعرف حتى كليات وعموميات السياسات. أصبحنا نتحدّث عن وجود أشخاص في الحكم بدل وجود سياسات ومؤسسات وحتى وجود دولة تحكم. وهذا أمرٌ خطير، بالنسبة للمستقبل وينبغي أن لا يستمرّ.
تتجلى خطورة هذا الأمر في كون الناس أصبح يهمّهم معرفة خصوصيات هذا المسؤول أو ذاك، أكثر مما يهمّهم معرفة سياسته أو قطاعه أو ما يحدث به، انتقاد شخصه لا سياسته، وكأن هذه الخصوصية هي الأهمّ وكأن المشكلة في الشخص وليست في السياسة، إلى درجة أن أصبح تغيير السياسات في بلادنا مُرادفاً لتغيير الأشخاص… يحس الناس ببعض الارتياح بمجرد تغيير هذا بهذا، ثم ما يلبثوا أن يكتشفوا أن السياسات باقية، وأن زَيدًا الذي جاء ليُغَيِّر هذه السياسة قد غَيَّرته وأصبح مِثلَ سابِقه أو أسوأ.
وعندما تتحول هذه الظاهرة إلى اتجاه، وإلى اتجاه ثقيل أحيانا، يزداد الأمر خطورة..
هذا الاتجاه الثقيل أصبح اليوم يُلهي الرأي العام عن حقيقة ما يجري داخل هذا القطاع أو ذاك، ويُعطي الفرصة للفساد ليَكبر أكثر، مادام الانشغال الكبير هو بتفاصيل حياة هذا أو ذاك، ويمنع ذوي الهِمّة والإرادات المخلصة من العمل، يقتل الابتكار والإبداع ويتسبب في انهيار حصوننا من الداخل ونحن منشغلون بالتفاصيل، وأحيانا بتفاصيل مثيرة للاشمئزاز، منافية للأخلاق، يمنعنا الحياء من ذكرها.
أليست هذه سياسة بعينها تجاهنا؟ تشويه المشوَّه، والاستخفاف بالعقول، والنزول بمستوى التفكير إلى أدنى المراتب، والقضاء على ما بقي من أخلاق واحترام بيننا، ومَنعنا من أن ننظر لأنفسنا كمجتمعٍ سوِيٍ، كما به السيئون به الخَيّرون، وكما به الفساد به الصَّلاح.
أَلَسْنا اليوم بحاجة إلى نقد سياسات الوزراء بدل الوزراء؟ سياسات المسؤولين بدل المسؤولين؟ ألسنا في حاجة إلى طرح بدائل سياسات عامة في هذا القطاع أو ذاك، ثم البحث عن من يستطيع تنفيذها من الأشخاص وليس العكس؟ أَلَمْ يتبين لنا بكل وضوح أن الإطاحة بالأشخاص بدل تغيير السياسات ما تلبث أن تُحَوِّل الأشخاص الجدد إلى أسوأ ما كان عليه مَن سَبقهم؟
ألا يبدو جليا أن فهمنا للتغيير من خلال أولوية الأشخاص على السياسات هو دليلٌ على نجاح من أراد أن يقتل فينا كل قدرة على الإبداع، وأن يقضي على ما بقي لدينا من منظومة قيم متماسكة؟
ألسنا في حاجة إلى تجديد الوعي لتجديد الأمل؟