الرأي

مشكلتنا في الفوضى الخلاقة.. أم في استعصاء التغيير؟

محمد سليم قلالة
  • 2505
  • 0

بدل أن نُواجه سياسة الفوضى الخلاقة بالتغيير المنظم، يبدو أننا إما واجهناها بفوضى التغيير أو بحالة من الرفض ينطبق عليها مصطلح استعصاء التغيير، وفي الحالتين مازال مَنطق الفوضى الخلاقة هو المُتحكم في مسار التحولات السياسية عندنا، ذلك أن رؤيتنا لم ترق بعد إلى درجة معرفة النموذج المستقبلي الذي نريد، والذي من خلاله نستطيع صناعة مستقبلنا بأنفسنا.

بعد أحداث الـ11 سبتمبر 2001 كان مشروع “الشرق الأوسط الكبير” من بين السياسات المطروحة في مجال تغيير العالم. والشرق الأوسط الكبير كما هو معلوم يضم فضلا عن البلدان العربية الشرق أوسطية ـ بلدان شمال إفريقيا ومن بينها الجزائر، بما يعني أننا أُدرجنا، منذ تلك الفترة، من خلال المخطط الأمريكي، ثم فيما بعد الأمريكي ـ الأوروبي، ضمن دائرة واحدة كانت تُسمى في أدبياتنا المختلفة بالعالم العربي. وبما أن الغربيين يرفضون مثل هذه التسمية القائمة على أساس ثقافي أو ديني أو قومي، فإن المصطلح بالنسبة لهم لم يعد صحيحا وكان يجب تغييره إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أو إلى “الشرق الأوسط الكبير”. وهو ما أصبح أكثر شيوعا اليوم على حساب العالم العربي الذي كاد يندثر تماما من القاموس السياسي.

وتزامنت عبارة “الفوضى الخلاقة” مع هذا المشروع، بل اعتبرت أداته الرئيسة. وقد سبق التمهيد لها من خلال كتابات “فرانسيس فوكو ياما” عن “نهاية التاريخ” و”صوميل هتنغتن” عن “صدام الحضارات” إضافة لتقارير مؤسستي “راند” و “أمريكا انتربرايز” اللتان تبنتا المفهوم في الولايات المتحدة، فضلا عن مواقف الكثير من السياسيين الغربيين، الذين أجمعوا، رغم الفروقات التي بينهم من حيث الطرح والمنهجية، أن النظام الديمقراطي الحر أصبح هو الخيار الأمثل للبشرية، وأنه مِنْ “رسالة” الغربيين نَقل الشعوب “المتخلفة” إلى هذا النظام حتى لا تَبقى هناك “فجوة” أو “ثقب” في النظام العالمي قد يُهدِّده بالزوال، تماما مثل ثقب الأوزون الذي يُهدِّد كوكب الأرض نتيجة الاحتباس الحراري… ولعل هذه الرسالة الغربية الثانية القائمة على “الديمقراطية” التي أداتها “الفوضى الخلاقة” لا تختلف عن رسالة

القرن التاسع عشر “التمدينية” التي كان الاستعمار أداتها…

ولم تكن عبارة الفوضى الخلاقة بغريبة عن الثقافة الغربية. لقد كان المصطلح معروفا عند الإنجيليين بأن العالم أول ما كان عليه هو الفوضى ليصل فيما بعد إلى الاستقرار، كما كان معروفا في الأدبيات القديمة للماسونية العالمية. وفي بعض تفاصيله لجأ المصطلح إلى النحت من نظرية الفوضى أو عدم الاستقرار لعالم الرياضيات “بوانكاري” خاصة عند الإشارة إلى ما يُسمى بأثر الفراشة المعبِّر عن إمكانية تحويل حركة بسيطة تكون في مقدار خفقان جناحي فراشة، إلى “ثورة عارمة” تُصبح في مستوى الإعصار. وهو ما تم تجسيده عمليا في حادثة البوعزيزي الذي حرق نفسه في تونس، وكان ذلك الفعل الفردي سببا في اندلاع شرارة ما عُرف بالربيع العربي…

وبرغم ما يمكننا قوله في نقد مصطلح الفوضى وفي ترجمة كلمة الـChaos   وللخلط بينها ومصطلحات مثل    Anarchie   وDésordre  التي نُترجمها هي الأخرى إلى الفوضى رغم الاختلافات البيّنة بينها، وبرغم من أننا نكاد ننسى أن مصطلح الـChaos المستمَدَّة منه عبارة الفوضى الخلاقة  هو أقرب إلى مفهوم عدم الاستقرار أو ما يسميه البعض بـ”الشواش” منه إلى الفوضى بمعنى المصطلحين الآخرين، برغم ذلك كله فإننا سنعتبر أن مفهوم الفوضى الخلاقة الذي ينطبق علينا، هو ما يسميه الغربيون بـLe chaos créatif، أي الفوضى المنتِجة للمجتمعات الجديدة بكل تلك التفاصيل التي يريدها الغرب لهذه المجتمعات…

ولعلنا لن نستطيع مناقشة مدى صحة الأسلوب الذي تَعَامَلنا به مع هذه السياسة الجديدة إلا من خلال رصد غاياتها الأساسية.

إن الغاية من “الفوضى الخلاقة” كما بدت من خلال التحاليل المرافقة لها، هي إقامة ثلاثة أنواع من الإصلاح في ما سُمِّي بالشرق الأوسط الكبير: ـ إصلاح سياسي ـ إصلاح ثقافي واجتماعي ـ إصلاح أمني.

بما يعني أن المنطقة المعنية ينبغي أن تعرف الإصلاحات الثلاثة بشكل متزامن.

علينا أن نغير أولويات التساؤل إذا أردنا التحكم في زمام أمورنا، مِن: كيف ينبغي أن نواجه الفوضى الخلاقة؟ إلى: كيف ننتقل إلى التغيير المنظم ونعالج مسألة استعصاء التغيير لدى شعوبنا؟ المشكلة والحل يكمنان في هذا المستوى الداخلي وليس في المستوى الخارجي المفروض علينا.

ـ في الجانب السياسي ينبغي أن تسود التعددية الأنظمة المسماة بالجمهورية من خلال التعرف على الأنظمة الانتخابية وإقامة حكومات ديمقراطية تضمن الحريات بما في ذلك حرية تمكين الأقليات من الحكم الذاتي. أما الأنظمة الملكية فينبغي أن تتحول إلى مَلَكِيات دستورية حيث المَلك يَملِك ولا يَحكم. وجميع الأنظمة  ينبغي ألا تُعادي السياسات الغربية والأمريكية التي ستتحول إلى مرجعية يُقتدَى بها باعتبارها النموذج الأمثل للإنسانية.

ـ وفي الجانب الاجتماعي والثقافي ينبغي إدخال إصلاحات على المنظومات التربوية وإدراج قيم الحرية والديمقراطية والمساواة بين الجنسين في جميع برامجها، والأهم من ذلك إعادة النظر في مقررات التكوين الديني التي تعد في نظر الغربيين من مسببات التطرف والإرهاب، وبالموازاة مع ذلك مراجعة دور المسجد ومكانة الإسلام في التشريع حيث ينبغي أن يتحول من المصدر الأول إلى أحد المصادر في التشريع وألا تُناقض  تشريعاته التشريعات المختلفة فيما يُعرف بالعالم المتمدين أي الغرب.

ـ أما في الجانب الأمني فينبغي وفق هذه السياسة ضبط التوازن العسكري في كامل المنطقة، ومنع أي انتشار لأسلحة الدمار الشامل، وإقامة سد منيع في المنطقة أمام الجماعات الإرهابية و الهجرة غير المنظمة وتهديدات المتاجرة بالمخدرات والبشر والسلاح، وتبييض الأموال… الخ.

وبالرغم من أن تطبيق أي من هذه السياسات أصبح واضحا في كل بلداننا مع اختلاف في الدرجة والأسلوب، إلا أن ما يبقى محل سؤال هو: لماذا كل هذا التدمير المرافق لها؟ هل لأننا لم نستطع القيام بالتغيير المنظم، أم لأن مجتمعاتنا أصبحت تعرف حالة من الاستعصاء على التغيير لم تعد تنفع معها سوى القوة؟ أم لأننا لم نملك البديل المستقبلي الذي كان بإمكانه احتواء المشاريع الغربية ولِمَ لا استباقها؟

في الجانب الاجتماعي والثقافي  ينبغي إدخال إصلاحات على المنظومات التربوية وإدراج قيم الحرية والديمقراطية والمساواة بين الجنسين في جميع برامجها، والأهم من ذلك إعادة النظر في مقررات التكوين الديني التي تعدّ في نظر الغربيين من مسببات التطرف والإرهاب، وبالموازاة مع ذلك مراجعة دور المسجد ومكانة الإسلام في التشريع.

يبدو أن الجواب على السؤال الأخير هو الأهم، ذلك أننا لا يمكن أن نعيب على قوى دولية منتصِرة في هذا العالم من أن تسعى لفرض مشاريعها في أي مستوى كان، إنما ينبغي أن نعيب على أنفسنا أننا لم نتمكن من صوغ رؤية واضحة لنا إن في المجالات السياسية أو الاجتماعية والاقتصادية أو الأمنية، مما جعلنا نفتقد للإطار الموجِّه لسلوكنا، وجعل الآخرين يملأون هذا الفراغ بما أعدّوه لنا من فوضى خلاقة كان من نتائجها ما نعيشه الآن من أزمات وحروب أهلية وأفق مسدود في أكثر من مجال.

لذا فإنه علينا أن نغير أولويات التساؤل إذا أردنا التحكم في زمام أمورنا، مِن كيف ينبغي أن نواجه الفوضى الخلاقة، إلى كيف ننتقل إلى التغيير المنظم ونعالج مسألة استعصاء التغيير لدى شعوبنا… المشكلة والحل يكمنان في هذا المستوى الداخلي وليس في المستوى الخارجي المفروض علينا.

مقالات ذات صلة