معالم هوية الجزائر
منذ ما يربو عن عشرين سنة وأنا أصرح وأقول، إن الوطنية في الجزائر تشكل مع الإسلام وجهين لعملة واحدة، ولما كررت هذه المقولة في مناسبة الذكرى التسعين لإنشاء جمعية العلماء المسلمين الجزائرية، ثارت ثائرة عدد من الكتاب في الإعلام الناطق باللغة الفرنسية، فظنوا أني أتيت بأمر جديد لم يكن معروفا منذ عهد بعيد، أي منذ خمسة عشر قرنا من الزمن وشحذوا أقلامهم لتكذيب صحة هذه المقولة التاريخية الناصعة، وليتهم كتبوا بالأسلوب الموضوعي الذي يقتضيه آداب الحوار، ومخاطبة الناس بعضهم بعضا بالاحترام وقديما قيل (كل إناء بما فيه ينضح).
وليتهم تأدَّبوا بآداب القرآن الكريم حيث قال الله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) سورة سبأ الآية 24. أو تأدبوا بالأدب الباديسي حيث قال الشيخ لمن خالفه الرأي (قد لا أوافق على رأيك، ولكني مستعد للتضحية بروحي دون عرضك وكرامتك).
إن إسلامية الشعب الجزائري ليست موضع شك، إلا في قلوب الذين ينكرون الحقائق ويتجرؤون على التاريخ، ولو ألغينا ما ساهم به الجزائريون في التراث الإسلامي لظهر تاريخ الإسلام مبرقعا أعرج غير مستو ولا متسلسل، ولعل هذا ما كانت تريده فرنسا باستعمارها للشعب الجزائري وإنكارها لوجوده.
وعندما نتكلم عن إسلامية الشعب الجزائري أو إسلامية الشخصية الجزائرية، فإن هذا لا يعني أن الجزائر تمنع من يريد الانتماء إليها من غير المسلمين.
وهذا الشيخ عبد الحميد بن باديس، ابن مدينة قسنطينة ومعلم الجيل، وهو يساكن جالية قسنطينة جزائرية من اليهود ويتعامل معها معاملة الجار الأمين لجاره، ويعلن ويصرح قائلا:
شعب الجزائر مسلم
وإلى العروبة ينتسب
ولم ينكر عليه أحدٌ في ذلك الوقت ولا اليوم هذه المقولة، ذلك أنه لا يهود الجزائر الذين قدمت أصولهم مطرودة من الأندلس مع المسلمين، ولا المسلمون كانوا يعتقدون أن المواطنة الجزائرية تنفي انتماء مواطنين غير المسلمين للأمة الجزائرية، جميع كتب الجغرافيا البشرية، تقول إن الشعب السوداني شعبٌ مسلم، وأن شعب أندونيسيا دينه الإسلام، وأن في كلا البلدين وزارةً تهتم بشؤون الإسلام تعليما وممارسة، مع ما يوجد في كلا البلدين من البدائيين الذين لا دين لهم ومن أهل الديانات غير الإسلامية.
وأنت إذا قلت بأن السجون تضم المجرمين، فإن هذا لا يعني أنه لا يوجد داخل السجون أناسٌ أبرياء غير مجرمين.
إن ما يُسمَّى حكم الأغلبية غاب عن المعترضين، ولا أريد أن أتهمهم بأنهم ينكرون إسلامية الشعب الجزائري، الذي عندما أحصينا في سنة 2008 عدد المساجد الذي تم تشيديها منذ 1962 وجدنا عددها يساوي إلى ذلك التاريخ عدد الأيام التي انقضت منذ سنة 1962.
نعم يوجد في الجزائر مواطنون غير مسلمين، وهم يتمتعون بجميع حقوق المواطنة من دون منازع، وهؤلاء لا ينكرون على الشعب الجزائري إسلاميته، بل هم يحترمون الإسلام ويتعايشون مع المسلمين في احترام ووئام، وإنَّ لنا منهم أصدقاء، في مقدمتهم فقيد التسامح والثقافة في الجزائر المونسينيور “هنري تيسيي”.
لقد احتجَّ علينا من أنكروا مقالتنا بعدد من الأحرار الذين نشأوا في الجزائر من أصول أوروبية، والذين لم يتحملوا فظاعة المجازر التي يرتكبها جيش الاستعمار الفرنسي، فانحازوا إلى تأييد الثورة، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر حفظهم الله.
يجب أن نعترف لهؤلاء الأحرار بالشجاعة وبالوعي الحضاري وبغيرتهم على قيم المجتمع الفرنسي، هذه القيم التي احترمها المجاهدون في جيش التحرير الوطني ولم يمسُّوها بسوء.
إن هؤلاء الأحرار لم يعادوا الإسلام ولا أنكروا على الجزائريين إسلامهم، بل إن أحدهم، وهو “هنري مايو” يصرح في رسالةٍ نشرتها جريدة “ليبرتي” بقوله (لست مسلما ولكنني جزائريٌّ من أصل أوروبي).
والذي تكرَّم بنشر هذه الرسالة ليحتجَّ بها علينا لو قرأها وفهم عبارتها (لست مسلما ولكني جزائري من أصل أوروبي)، فكلمة (لكن) تفيد الاستثناء من القاعدة، ولو حللتَ النص لوجدته يقول: (أنا لست مسلما مثل الجزائريين المسلمين، ومع ذلك أو زيادة على ذلك فإني جزائري بإرادتي)، وهي إرادة حرة واعتبارٌ فردي، ولو قرأ مورد رسالة (هنري مايو)، بالمعنى الذي كتبها به ذلك الكاتب الشهم لوجده يشبِّه نفسه بالجنود الفرنسيين الذين فروا من جيش حكومة (فيشي) الخاضعة للسيطرة الألمانية، وانضموا إلى الجيش الحر الذي قام يدافع عن استقلال فرنسا، وعلى رأسهم الجنرال ديغول.
وإني على تقديري واحتراسي لهؤلاء الذين آخى بيني وبينهم جهادُ التحرير، فقد كنت أودُّ أن لا يحتجَّ بهم عليَّ بل كان يمكن الاحتجاج بالمواطنين غير المسلمين من أصل جزائري، والذين هم يستحقون كذلك من الاحترام والتقدير ما يستحقه كل مواطن جزائري حر يحب وطنه ويحترم ثقافة شعبه.
كان ينبغي أن يحتج علي بوجود جزائريين لا غبار على جزائريتهم، إذ هي أصيلة وأصلية ولم ينحدروا من أصول أوروبية، وإنما هم منحدرون من أصول جزائرية عريقة وفي مقدمتهم المفكر والناقد الجزائري الكبير محمد أركون أو المناضل الأصيل الوزير إسماعيل محروق أو الإعلامي الجزائري الشهير المظلوم جون موهوب عمروش وغيرهم ممن ضحوا بأرواحهم وحقوقهم من أجل أن يستقل بلدهم ونتخلص من نير الاستعمار الفرنسي.
وفي هذا الصدد، يتعين علينا أن نتوقع مزيدا من المواطنين غير المسلمين في المستقبل ينتجون من زواج جزائريات من الأجانب غير المسلمين، ذلك أن قانون الجنسية الجزائري يعطي الحق للأم الجزائرية المتزوجة من أجنبي أن تعطي جنسيتها لأولادها.
إن إسلامية الشعب الجزائري وعروبتَه، صرَّح بها تاريخه وجهاد أبنائه وقادته عبر العصور، وصرح بها قادة فكره العظام في عصرنا الحاضر، وهم الذين رفضوا كذب الاستعمار الفرنسي وبهتانَه في حق الشعب الجزائري.
فهذا الشيخ مبارك الميلي يدعو منذ سنة 1925 الأمة الجزائرية قائلا لها: “ارجعي إلى دينك فإنك بدونه لا تسعدين، ولن تسعدي بالإسلام، إلا إذا أحكمت اللغة العربية، ومن يعرض عن اللغة العربية، فقد أعرض عن ذكر ربه (وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا)” سورة الجن الآية 17. وقال : (إننا بالإسلام وبالعربية ننطلق في تحقيق أهداف أخرى لنا، وهيهات نوفق إلى الفلاح فيما ننشده من أهداف دون العربية والإسلام).
وهي الدعوة التي سجلها الشيخ عبد الحميد بن باديس في نشيده الرائع الذي كتبه للكشافة الإسلامية الجزائرية، حيث يقول:
شَـعْـبُ الْجَـزَائِـرِ مُــسْــلِــمٌ
وَإِلىَ الْـعُـرُوبَةِ يَـنْتَـسِـبْ
مَنْ قَــالَ حَـادَ عَـنْ أَصْـلِـهِ
أَوْ قَــالَ مَـاتَ فَـقَـدْ كَـذَبْ
أَوْ رَامَ إِدْمَــــــاجًـــــا لَــــهُ
رَامَ الْـمُحَـالَ مِنَ الطَّـلَـبْ
وهذا الشيخ عبد الرحمان شيبان وزير الشؤون الدينية في حكومة الاستقلال يقول: (من أراد الجزائر بدون عروبة ولا إسلام فنقول له أنك لست جزائريا… بالإسلام اهتدينا، وبه قاومنا، وبه جاهدنا، وبه انتصرنا، وبه نبني حاضرنا وبه نبني مستقبلنا إن شاء الله).
هذا وقد رفع أحد (المترفين) عقيرته ليصمني بدون حياء بأني من بقايا (بوتفليقة) ولو كان منصفا لاطَّلع على سيرة حياتي النضالية في صفوف الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين منذ 1956، ولاستفاد من مقالاتي في الإعلام المتحرر خلال السبعينيات، ولأفاد من توجيهاتي في تكوين الإعلاميين الشباب، ولو اطلع على عملي في إدارة التربية الوطنية وإنجاز المدرسة الأساسية خلال الثمانينيات (يُحتمل أن يكون قد استفاد منها)، والتي طمس نهضتَها وثمرتَها أعوانُ الثقافة المفرنسة بدءا من 1989، ولو اطلع على جهادي في تحرير ثانوية بوعمامة (ديكارت سابقا) التي حرَّرتُها من براثن إدعاء الإدارة الفرنسية، بأن البناية ملكٌ للدولة الفرنسية، لعلم بأن عضويتي في حكومة الجزائر المستقلة رشَّحني لها المجاهدُ اليمين زروال رئيس الجمهورية الجزائرية، وما أزال أناضل من أجل أن تبقى الجزائر حرة مسلمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهذا عهد قطعناه على أنفسنا أمام من علّمونا قيم الوطنية وضرورة التضحية في سبيل الأمة والوطن.