من قال: إن الإسلام ليس ثورة؟
كثرت الأحاديث حول الثورات العربية ودور المجموعات الإسلامية فيها واحتمال صعود الأحزاب الإسلامية إلى السلطة والانفراد بها، وخلال حضوري اجتماعات وتجمعات قيادات إسلامية ووطنية بمناضليها لاحظت علامات استفهام كبيرة حول مستقبل الجزائر في ظل الوضع العربي الراهن، فهل عودة الإسلاميين إلى الفوز بتشريعيات 2012م سيكرر مأساة 1991م؟.
-
الإسلام غير المرغوب فيه
-
حين تعهد مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الانتقالي الليبي، بتطبيق الشريعة، في بيان تحرير ليبيا من القذافي، قائلا: “نحن كدولة إسلامية اتخذنا الشريعة الإسلامية مصدرا أساسيا للتشريع وأي قانون يعارض مبادئ الشريعة الإسلامية معطل قانونا”، تحرك الغرب والشرق مستغربا ومستفسرا ومتدخلا في الشأن الليبي، بل إن الصحيفة الفرنسية الهزلية (شارلي) حاولت التلاعب بالحروف الفرنسية لكلمة (الشريعة) مستخدمة رسوما مسيئة للإسلام للسخرية من هذا التوجه، مما أدى بمتطرفين إلى حرق مقرها.
-
وما دام من يستند إلى الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع في النظام العربي الثوري الجديد هو أصولي، فقد رأى البعض أنه لا فرق بين المستبد والأصولي، باعتبار أن كلاّ منهما يسكن في الآخر.
-
الاسلاموفوبيا أو هاجس الخوف من الإسلام انتعش بفضل الثورات العربية التي اعتبرها البعض اضطرابا جيوسياسيا خطيرا قد يؤدي إلى تعميم تطبيق الشريعة الإسلامية، وفي هذا السياق يقول الكاتب البريطاني باتريك سيل: “يبدو أن الربيع العربي أكثر من مجرد ثورة ضد حكام ديكتاتوريين فاسدين وقساة بل إنها انتفاضة ضد القيم الأجنبية والتدخل العسكري الخارجي”(الحياة 28 / 10 / 2011م)، بالرغم من أن الثورات العربية حظيت بالدعم الغربي المباشر وغير المباشر.
-
إن الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التي فازت بأكثر من 40٪ من أصوات التونسيين يفرق بين التعايش بين السلطة والإسلاميين وبين الصدام الذي يتحدث عنه الغرب في حال تطبيق الشريعة ويضرب أمثلة بعدد كبير من الأقطار الإسلامية والعربية مثل تركيا وماليزيا والكويت والأردن، لكن الإشكالية التي ستواجه الأحزاب الإسلامية في حال وصولها إلى السلطة في الجزائر هي كيف يمكن تحويل عناصر الهوية الوطنية وهي الإسلام والعروبة والأمازيغية إلى واقع معيش؟ وكيف يمكن التعامل مع من يسمونهم بالكفرة؟.
-
اعتقادات خاطئة
-
يعتقد الكثير أن سقوط الحاكم هو تغيير للنظام وهو اعتقاد خاطئ، لأن ما حدث في تونس هو أن الشعب كان يطالب برأس زين العابدين بن علي وعائلته فاحتوى النظام السياسي هذا المطلب بإخراجه من البلاد مدركا أن الرئيس القادم سيكون ممن شاركوا في امتصاص غضب الشعب التونسي. وفي مصر حدث الشيء نفسه، حيث أدركت المؤسسة العسكرية أن الجماهير المصرية تريد رأس حسني مبارك وعائلته فقدمته لها على طبق من ذهب لتحتفل بمحاكمته، وربما سيكون الرئيس القادم من جماعة ضباط الجيش الذين شاركوا عبد الناصر والسادات ومبارك سنوات الحكم؟.
-
لكن حسابات بقايا النظام خاطئة كذلك، لأن الشارع حين تحرك ضد الرئيس ونظامه سيبقى بالمرصاد لمن يريد التلاعب باختياراته في صناديق الانتخاب واحتمال التزوير مستبعد لأنه سيؤدي إلى نزيف دموي آخر.
-
إن إسقاط نظام ديكتاتوري لا يعني بالضرورة الوصول الحكم، والديمقراطية التي تعني حكم الشعب أو من يمثله لا تتحقق في الفترة الانتقالية أو تأسيس الدولة الجديدة وإنما في العهدة الثانية لهذا النظام الجديد.
-
من يقرأ التاريخ العربي الإسلامي والثورات العربية الإسلامية، يكتشف أن الإسلام كان ثورة على القيم وأن الاغتيالات السياسية للخلفاء الراشدين كانت أسلوبا معتمدا لتغيير الحكام، غير أنه تطور خلال الحكم الأموي والعباسي بحيث ظهرت مجموعة ثورات مائتي سنة فشلت في تأسيس نظام سياسي جديد خارج عباءة الخلافة الإسلامية.
-
قام مصطفى كمال أتاتورك بفصل السلطنة عن الخلافة واعتبار الخلافة سلطة دينية، مما أثار أطماع الملك فؤاد في مصر بتولي الخلافة الإسلامية، وأدى إلى جدل فكري وسياسي في الوطن العربي، فقام الشيخ علي عبد الرازق بإصدار كتاب (الإسلام وأصول الحكم) عام 1925م ناقش فيه علاقة السلطة بالدين، وتوصل إلى أن: “الخلافة ليست جزءا من الدين وليست نظاما سياسيا فرضه الإسلام” رأى فيه البعض انحيازا للتيار العلماني التركي فتصدى له من تمسكوا بالخلافة العثمانية بالقول: “إن الخلافة سلطة دينية وسياسية” وكان من بينهم الجزائري محمد الخضر حسين والتونسي الطاهر بن عاشور والسوري محمد رشيد رضا، وانتصر الحكم لغير الفكر العلماني مما أدى إلى ظهور الفكر الإخواني، فهل الثورات العربية ستكون فكرا إخوانيا؟
-
إن اهتمام دور النشر العربية والغربية بإعادة طبع أعمال هؤلاء العلماء والفقهاء يُراد منه إدخال الثورات العربية في صراع يعود إلى ما يقرب من قرن مضى، أوَليس الأحرى بالمفكرين العرب والمسلمين أن ينشغلوا بالحاضر وأن يهتموا بكيفية مواكبة عصر التكنولوجيا عوض الاهتمام بـ(يجوز ولا يجوز) أو (البيض الحرام والبيض الحلال)؟.
-
عودة الوعي
-
إن جوهر مصدر الخوف من تطبيق الشريعة هو ما يجري في الخليج وخاصة المملكة السعودية التي قدمت نموذجا مثيرا للجدل عندما أطلقت اسم الأسرة الحاكمة على خارطة الوطن، واستخدمت الشريعة الإسلامية مصدرا للقانون بهدف تأمين نظامها من التغيير.
-
ولهذا فإن الثورة إذا اندلعت في الخليج العربي يصعب التحكم فيها أو توقع تداعياتها على المنطقة العربية، ولعل هذا ما جعل دول الخليج تسارع إلى إخماد الثورة في البحرين والاستعانة بالنظامين الملكيين في الأردن والمغرب للالتحاق بها لتعزيز النظام الملكي العربي دون الانتباه إلى أن المواطنة لا تحمل صفة الطائفة الدينية أو المذهبية أو العرقية أو الجنسية.
-
حين حمل بوتفليقة شعار (العزة والكرامة) تراجعت الحرية وساد الفساد والمحسوبية والانتهازية والأمراض ذات الصلة بالسلطة حتى صارت السلطة مريضة والحكم في حالة إنعاش دون أن يدرك أصحاب القرار أن مجرد نزول الشعب إلى الشارع في معظم ولايات القطر الجزائري هو مؤشر على عودة الوعي واكتشاف الذات، والتخوفات في الجزائر ليست من عودة الإسلاميين ولكن من نموذج مرحلتي (1990 – 1991م) و (1992 – 1999م) وهما نموذجان جعلا مرحلة 1999 – 2011م تبدو وكأنها خلاص للجزائريين من الفوضى والإرهاب، وهو ما جعل بعض الدعاة يسوقون لفكرة أن الحاكم غير العادل خير من الفوضى والاضطراب مثلما سوّق بعض الكتاب للقول بأن العرب “أمة ماضوية”. والسؤال الذي يطرح في الجزائر، هل يمكن القيام بثورة ضد (نظام ميت) أو المطالبة برحيل (نظام فاسد)؟ وهل يمكن أنسنة الحركات الإسلامية على حد تعبير المفكر الراحل محمد أركون؟.