-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

من محاسن لغة الخشب

عابد شارف
  • 4716
  • 6
من محاسن لغة الخشب

لم يعرف الجزائريون كيف يتصرفون مع ذكرى وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962 . هل يجب أن نجعل من 19 مارس يوما مقدسا ونضيفه إلى قائمة الأيام الخالدة ونحتفل به؟ أم هل أنه يوم عار يكون السكوت عنه أحسن سلوك؟ وهل يجب أن نقول إن هذا اليوم هو ذكرى الانتصار على المستعمر، أم أنه نهاية الحرب، أم يجب أن نعتبر أنه بداية مرحلة جديدة لم تعرف فيها الجزائر إلا التسلط والفساد مثلما تقول بعض التيارات التي تصور الجزائر المستقلة أنها جحيم من أول يوم إلى الآن؟

وبقي 19 مارس يتأرجح بين هذا وذاك، خاصة أن رجال 19 مارس، أولئك الذين انضموا إلى الثورة في آخر يوم، ساهموا في تلويث هذا اليوم المشهود.  إضافة إلى ذلك، فإن 19 مارس ليس يوم عطلة مثل 5 جويلية، وهو لا يحمل تلك المعاني اللامعة مثل أول نوفمبر. وبقيت ذكرى وقف إطلاق النار   تشبه 19 جوان، لا نعرف هل نحتفل بها أم نستحي عنه.

وحاول المجاهدون أن يغيروا صورة هذا اليوم لما جعلوا منه رسميا “عيد النصر”. وقد اختارت منظمة المجاهدين هذه الذكرى لتنظيم مؤتمرها بمناسبة الذكرى الخمسين لوقف إطلاق النار. وأراد المجاهدون أن يجعلوا منه يوم خشوع وترحم، لكن آمالهم خابت حيث أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لم يشرفهم بحضور المؤتمر، واكتفى برسالة بعثها إليهم، مما أثار غضب المجاهدين ودفعهم إلى فضح انقساماتهم، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع فرنسا والتعامل مع الماضي.

وقد ظهر في صفوف المجاهدين تيار يقوده الأمين العام للمنظمة، السيد سعيد عبادو، وهو التيار الذي يطلب التوبة من فرنسا كشرط أساسي لتطبيع العلاقات، كما أنه يطالب البرلمان الجزائري القادم بالمصادقة على قانون لتجريم الاستعمار. أما التيار الثاني، وهو التيار الرسمي الذي يمثله وزير المجاهدين، فإنه يعتبر قضية التوبة ثانوية، ولا يرى أهمية القانون لتجريم الاستعمار، لأن الشعب الجزائري في رأيه لن ينسى أبدا وحشية الاستعمار سواء تمت المصادقة على قانون أم لا.

وقد أدى هذا “التخلاط” إلى جو لا يسمح بالاحتفال بذكرى وقف إطلاق النار في أحسن الظروف، رغم مجهودات هذا الطرف أو ذاك. لكن مع اقتراب موعد 19 مارس، تغير الجو، وكأن القوم أدركوا أن هذه الذكرى ستكون بارزة سواء أرادوا ذلك أم لا.

والحق يقال: لقد تغير الجو العام في البلاد لما بدأ الصحافيون الفرنسيون يزورون الجزائر أفواجا أفواجا، لتحضير حصص تلفزيونية خاصة ومقالات حول ذكرى وقف إطلاق النار. وبعدها بدأت الصور الأولى تتهاطل على الجزائر لما شرعت القنوات الفرنسية في بث برامجها الخاصة حول حرب التحرير، من أفلام وثائقية ونقاش وثرثرة وغيرها.

وهنا، ظهر الفرق بين طرفين، أحدهما كان على حق لكنه لا يعرف كيف يدافع عن حقه، والثاني كان على باطل لكنه يعرف كيف يتكلم وكيف يعطي عن الواقع صورة جميلة تخدم مصالحه… وعندها، عدنا إلى واقع بسيط… واكتشفنا مرة أخرى أن الحق يبقى حقا، حتى ولو دافع عنه رجل قديم مثل سعيد عبادو. واكتشفنا أن الباطل يبقى باطلا، ولو دافع عنه رجل مثقف وعصري مثل ابن يمين سطورا وجان بيار ألكاباش. واكتشفنا أن النضال من أجل الحرية يبقى أشرف وأسمى حتى ولو دافع عنه وزير مثل محمد شريف عباس.. .  وأن الفكر الاستعماري يبقى جريمة حتى ولو تم تقديمه في أحسن الأفلام.

وبطبيعة الحال، نتحير ونتأسف لما نسمع السيد سعيد عبادو يقول إنه لم يتم اغتيال الحركى بعد 19 مارس، وهو كلام غير صحيح. كما نتأسف لعدم وجود خطاب سياسي جزائري منسجم حول هذه القضايا، مما يفتح المجال لكل واحد أن “يغني بغنائه”. لكن هذه الفوضى المنتشرة في الجزائر تحمل حرية وإنسانية أشرف من ذلك الخطاب المدروس الذي يسود في فرنسا والذي يراد منه أن يبرر أو يشرح الاستعمار.

والحق الحق… إن لغة الخشب الصادرة من أمثال دحو ولد قابلية أجمل من كلام هؤلاء المثقفين والمؤرخين الذين يريدون أن يقنعوا أنفسهم أن المجاهد كان إرهابيا، وأن العنف كان من الطرفين، وأن حرب التحرير أدت إلى انزلاق من طرف جيش التحرير ومن طرف الجيش الاستعماري على حد سواءإن كلام محمد شريف عباس أجمل من ذلك الخطاب الذي يجعل الجلاد والضحية على قدم المساواة

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
6
  • عبدو الفلياشي

    كل ما جاء في المقال هو من اجل إثبات شيء واحد هولغةالخشب لزالت سائدة لدى الجزائريين و الكارثة انها تستعمل من مثقفين وخاصة بعض الاعلاميين الذين هم من المفروض اكثر ضحايا لغة الخشب التي لم تبقي ولم تذر وتاثر من حريقها البشروالحجر والشجر.عبادوا قديم وغير مثقف ويقول الحق ووزيرالمجاهدين يخالفه الراي وهو على حق والحركى قتلوا بعد الاستقلالكما يقول سطورا والكبش وسيدهما ساركوزي و هذاحق.اين الباطل إذا رائع ياسي عابدشارف.مفهوم كلامك هو عندناحرية التعبير والراي وفي فرنسا ديكاتورية الراي.مع كل احترامي هذا باطل

  • مراد الجزائري

    مادم في الجزائر مزدوجي الجنسية مسلطين على رقاب الشعب فلن تقوم للجزائر قائمة والسيد الرئيسملزم بدخول التاريخ الثوري من جديد باصدار قرار بمنع كل من يحمل الجنسية الفرنسية أن يكون مسؤولا بالإدارة الجزائرية

  • حمو بهدي

    سلام؛
    في رأيي، إن المشكل ليس في 19 مارس و إنما فيما تلاه من تخلاط. و لكي نفهم ما حدث خلال و قبل و بعد هذا التاريخ، يشرفني أن ألخصه في النقاط التالية:
    01 نوفمبر 1954 رجال حقيقيون أخذوا المسؤولية على عاتقهم لتحرير الوطن.
    20 أوت 1955: العملية قام بها ثوار حقيقيون و أما نتائجها تفطن لها الإنتهازيون.
    20 أوت 1956: الإنتهازيون بدأوا أخذ مواقعهم تحسبا لأي تغيير قد يحدث لصالح الثورة.
    ماي 1958: الإنتهازيون يسيطرون على أغلبية الأماكن الإستراتيجية للسيطرة على البلاد و تعرفون باقي القصة . . .

  • messaoud

    اولا عيب عليك يا رقم 1 لان 19 مارس لم يكرس الدكتاتورية كما تقول ' ومع ذلك اقول لك دكتاتورية وطنية احسن بكثير من ديمقراطية الاستعمار '

  • diab

    ببساطه يا اخ عابد هو يوم عار لانه كرس الدكتاتوريه التى جائت بثوار استولوا على السلطة بهدر دم كثير من الثوار المخلصين والدين انهكتهم الثورة فى الجبال ولقو حتفهم على ايد سواديزان اخوانهم فى الثوره

  • عبد القادر

    لغة الخشب لاتشبع البطن من جوع ولا تؤمن حماية الشعب من الجلد والموت وما يتجرعه من لهب.وصول الجزائر لهذا العفن هو قلة احترام عقول الناس بالتوجه لهم بلغة الخشب من النظام ومن المثقفين الذين يقولون مالا يفعلون او المندسين من تبع المستعمرين لتأمين مصالحهم في الجزائر.لغة الخشب التي حريقها الهب البلاد وزرع الياس في نفوس العباد واكثر فيها الفساد ليست محببة من أي طرف جزائري كان.قول الحق من الإيمان والمبادئ التي اساسها لغة الخشب فهي سريعة اللهب ولن يبقى لها اثر ورمادها يذر في عيون البشر لطمسها على نور الحق