من محاسن لغة الخشب
لم يعرف الجزائريون كيف يتصرفون مع ذكرى وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962 . هل يجب أن نجعل من 19 مارس يوما مقدسا ونضيفه إلى قائمة الأيام الخالدة ونحتفل به؟ أم هل أنه يوم عار يكون السكوت عنه أحسن سلوك؟ وهل يجب أن نقول إن هذا اليوم هو ذكرى الانتصار على المستعمر، أم أنه نهاية الحرب، أم يجب أن نعتبر أنه بداية مرحلة جديدة لم تعرف فيها الجزائر إلا التسلط والفساد مثلما تقول بعض التيارات التي تصور الجزائر المستقلة أنها جحيم من أول يوم إلى الآن؟
وبقي 19 مارس يتأرجح بين هذا وذاك، خاصة أن رجال 19 مارس، أولئك الذين انضموا إلى الثورة في آخر يوم، ساهموا في تلويث هذا اليوم المشهود. إضافة إلى ذلك، فإن 19 مارس ليس يوم عطلة مثل 5 جويلية، وهو لا يحمل تلك المعاني اللامعة مثل أول نوفمبر. وبقيت ذكرى وقف إطلاق النار تشبه 19 جوان، لا نعرف هل نحتفل بها أم نستحي عنه.
وحاول المجاهدون أن يغيروا صورة هذا اليوم لما جعلوا منه رسميا “عيد النصر”. وقد اختارت منظمة المجاهدين هذه الذكرى لتنظيم مؤتمرها بمناسبة الذكرى الخمسين لوقف إطلاق النار. وأراد المجاهدون أن يجعلوا منه يوم خشوع وترحم، لكن آمالهم خابت حيث أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لم يشرفهم بحضور المؤتمر، واكتفى برسالة بعثها إليهم، مما أثار غضب المجاهدين ودفعهم إلى فضح انقساماتهم، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع فرنسا والتعامل مع الماضي.
وقد ظهر في صفوف المجاهدين تيار يقوده الأمين العام للمنظمة، السيد سعيد عبادو، وهو التيار الذي يطلب التوبة من فرنسا كشرط أساسي لتطبيع العلاقات، كما أنه يطالب البرلمان الجزائري القادم بالمصادقة على قانون لتجريم الاستعمار. أما التيار الثاني، وهو التيار الرسمي الذي يمثله وزير المجاهدين، فإنه يعتبر قضية التوبة ثانوية، ولا يرى أهمية القانون لتجريم الاستعمار، لأن الشعب الجزائري في رأيه لن ينسى أبدا وحشية الاستعمار سواء تمت المصادقة على قانون أم لا.
وقد أدى هذا “التخلاط” إلى جو لا يسمح بالاحتفال بذكرى وقف إطلاق النار في أحسن الظروف، رغم مجهودات هذا الطرف أو ذاك. لكن مع اقتراب موعد 19 مارس، تغير الجو، وكأن القوم أدركوا أن هذه الذكرى ستكون بارزة سواء أرادوا ذلك أم لا.
والحق يقال: لقد تغير الجو العام في البلاد لما بدأ الصحافيون الفرنسيون يزورون الجزائر أفواجا أفواجا، لتحضير حصص تلفزيونية خاصة ومقالات حول ذكرى وقف إطلاق النار. وبعدها بدأت الصور الأولى تتهاطل على الجزائر لما شرعت القنوات الفرنسية في بث برامجها الخاصة حول حرب التحرير، من أفلام وثائقية ونقاش وثرثرة وغيرها.
وهنا، ظهر الفرق بين طرفين، أحدهما كان على حق لكنه لا يعرف كيف يدافع عن حقه، والثاني كان على باطل لكنه يعرف كيف يتكلم وكيف يعطي عن الواقع صورة جميلة تخدم مصالحه… وعندها، عدنا إلى واقع بسيط… واكتشفنا مرة أخرى أن الحق يبقى حقا، حتى ولو دافع عنه رجل قديم مثل سعيد عبادو. واكتشفنا أن الباطل يبقى باطلا، ولو دافع عنه رجل مثقف وعصري مثل ابن يمين سطورا وجان بيار ألكاباش. واكتشفنا أن النضال من أجل الحرية يبقى أشرف وأسمى حتى ولو دافع عنه وزير مثل محمد شريف عباس.. . وأن الفكر الاستعماري يبقى جريمة حتى ولو تم تقديمه في أحسن الأفلام.
وبطبيعة الحال، نتحير ونتأسف لما نسمع السيد سعيد عبادو يقول إنه لم يتم اغتيال الحركى بعد 19 مارس، وهو كلام غير صحيح. كما نتأسف لعدم وجود خطاب سياسي جزائري منسجم حول هذه القضايا، مما يفتح المجال لكل واحد أن “يغني بغنائه”. لكن هذه الفوضى المنتشرة في الجزائر تحمل حرية وإنسانية أشرف من ذلك الخطاب المدروس الذي يسود في فرنسا والذي يراد منه أن يبرر أو يشرح الاستعمار.
والحق الحق… إن لغة الخشب الصادرة من أمثال دحو ولد قابلية أجمل من كلام هؤلاء المثقفين والمؤرخين الذين يريدون أن يقنعوا أنفسهم أن المجاهد كان إرهابيا، وأن العنف كان من الطرفين، وأن حرب التحرير أدت إلى انزلاق من طرف جيش التحرير ومن طرف الجيش الاستعماري على حد سواء… إن كلام محمد شريف عباس أجمل من ذلك الخطاب الذي يجعل الجلاد والضحية على قدم المساواة…