من يدفع أكثر؟!
كشفت تقارير غربية صدرت أمس عن قيام قطر بدفع 1.4 مليون دولار إلى شخصيات أمريكية من اللوبي اليهودي بغية تلميع صورتها وإقناع هؤلاء بالتكلم عن الدوحة إيجابا في الإعلام!
التقارير ذاتها تتحدث عن دفع 50 ألف دولار إلى مرشح رئاسي مغمور في أمريكا زيادة على ضمان تكاليف سفره وإقامته الفخمة بالدوحة مقابل تغريدةٍ واحدة نشرها على تويتر يشيد فيها بالسياسة الخارجية لقطر!
مثل هذه التقارير باتت منتشرة بشكل كبير في الإعلام الغربي والأمريكي تحديدا، فهي تصدر من كل الجهات، وضدّ كل الجهات، وقد تكون أحيانا ضد الإمارات والسعودية فتتهمها بدفع أموال وشراء ذمم للغرض ذاته، كما قد تكون ضد قطر أحيانا مثل التقارير الأخيرة التي تناقلها الإعلام السعودي بكثافة ملفتة للانتباه، وهي سياسة باتت متبعة بشكل كبير وتزايدت تحديدا منذ حصار قطر قبل سنة، تحت شعار: تقارير ومواقف جاهزة لمن يدفع أكثر!
خطورة مثل هذه التقارير، تتمثل في كشفها وبالأسماء والصفات عن وسطاء تتخذهم العواصم الخليجية والعربية عموما كموظفين من أجل تلميع صورتها، وهي مهنة لا يعاقب عليها القانون الأمريكي لكنها تثير تساؤلا كبيرا عن مدى اهتمام الأنظمة العربية بصورتها في أمريكا واستعدادها الكبير لدفع الملايير مقابل “سُمعة نظيفة” في ظلّ عدم اهتمامها أصلا أو لا مبالاتها بصورتها لدى شعوبها المضطهَدة.
هذه السياسة كرّسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ مجيئه إلى البيت الأبيض كما أعلنها “عقيدة رسمية” وبشكل واضح لدى زيارته الشهيرة إلى السعودية ولقائه بعدد كبير من الزعماء العرب والمسلمين، حينها قال إن أمريكا لن تقف إلا إلى جانب من يدفع أكثر، ويومها حصل وابنته إيفانكا فعلا على أموال ضخمة من الرياض، فأدار ظهره للدوحة وسمح بحصارها، ثم وبمجرد حصوله على أموال من قطر، غيّر موقفه وحال دون تدخل عسكري كان وشيكا جدا لقلب نظام الحكم في الإمارة الصغيرة!
ترامب قال إنه ليس رجل سياسة بل “رجل أعمال يحسن إدارة الصفقات” وهو لأجل هذا يرى أن الحل في الشرق الأوسط وبالنسبة إلى القضية الفلسطينية تحديدا، يكمن في البحث عن صفقة جيِّدة لتصفيتها، ضمن خطة باتت جاهزة وأطلق عليها اسم “صفقة القرن”.
ولن تنجح “صفقة القرن” هذه، إلا بدفع مزيد من الأموال، حيث يحاول الجميع إقناع السلطة الفلسطينية ومحمود عباس بثروة طائلة وبحماية مشاريعه العائلية الخاصة مقابل موافقته على الصفقة، وهنالك عملٌ حثيث أيضا لإقناع ملك الأردن بالتخلي عن مبادئه وتقديم مزيد من التنازلات مقابل مساعدات مغرية كتلك التي منحت له في قمة الرياض مؤخرا، وفي أمريكا لدى استضافته في البيت الأبيض قبل يومين!
في النهاية، فإن الكثير من القضايا ستتم تصفيتها وفقا لقاعدة “من يدفع أكثر”، وهي لعبة عالمية جديدة يديرها رجالُ أعمال في ثوب سياسيين، علما أنها ليست جديدة بالمطلق في عالمنا العربي فقد تعوّدنا منذ عقود على بيع وشراء المواقف والذمم، وعلى أننا مجرد شركات مقاولاتية أو مزارع تابعة إلى الحاكم ووليِّ الأمر، وهو مستعدٌّ لبيعها في أي وقت ومقابل أي ثمن، بشرط الحصول على ضمانات وحماية أمريكية خاصة!