-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مِحنةُ القُفّة؟!

محمد حمادي
  • 2574
  • 0
مِحنةُ القُفّة؟!

في كلّ مرّة يحلّ فيها علينا الشهر الفضيل، تعود قفة رمضان إلى الواجهة، لتتسيّد المشهد الاجتماعي في الجزائر، عبر صور مؤسفة ومُخزية في الآن ذاته، صُناعها مسؤولون ومنتخبون وضحاياها معوزون يرزحون تحت وطأة الفاقة والغبن، هؤلاء الذين لم يتورّع فاقدو الضمير والحس الإنساني، في إذلالهم والحطّ من كرامتهم، مقابل منحهم قفة “هزيلة” لا تُسمن ولا تُغني من جوع، لكن إلى متى نبقى نُسيّر ملف المعوزين بهذه الطريقة الكرنافالية؟ ولماذا بقيت إعانة الطبقة المسحوقة رهينة للمناسباتية؟ أين الرقابة القبلية والبعدية على مداولات المجالس البلدية لاقتناء قفة رمضان وتوزيعها على المحتاجين؟

ما أوردته الصحافة المحلية، مؤخرا، بخصوص التحذيرات الذي أطلقها، اتحاد التجار، بخصوص المواد الغذائية المنتهية الصلاحية، التي قد تحملها “قفة المساكين”، يُظهر بما لا يدعو إلى الشّك حجم الإفلاس الأخلاقي، الذي أصاب المجتمع، فكيف يُعقل أن تصرف البلديات الملايير مقابل اقتناء مواد غذائية غير صالحة للاستهلاك؟ مثلما حدث العام الفارط في بلدية براقي بالعاصمة، عندما وقعت تسمّمات جماعية بسبب التوابل و”البرقوق”. ألهذا الدرجة أصبحنا نستهتر بحياة الناس؟! أم أنّهم فقراء ومواطنون من الدرجة الثانية لا أحدث يكترث لأمرهم؟ ألا يكفي ما يُكابده هؤلاء من ذلّ ومهانة أمام مراكز تجميع وتوزيع “القُفة”؟

الحقيقة المرّة، هي أنّ كثيرا من رؤساء البلديات عبر الوطن، ممّن وضع فيهم المواطنون الثقة، خانوا الأمانة، وأصبحوا يبحثون بأي طريقة عن الثراء الفاحش، ولو على حساب صحّة أناس مستضعفين لا حول لهم ولا قوّة، وبلغ الجشع  ببعضهم إلى حدّ سرقة محتويات هذه الإعانة الشحيحة، في ما لم يتوان آخرون في عقد صفقات مشبوهة مع خواص، لاقتنائها، حيث عمدوا إلى ملئها بمواد استهلاكية منتهية الصلاحية، مقابل فواتير مضخمة، استنزفت خزينة الدولة.

للأسف أساليب الاحتقار والحطّ من كرامة المعوزين، تتكرّر كلّما حلّ شهر التوبة والغفران،  الذي من المفروض أن يكون محطة للتواد والتراحم؛ فالصور التي نشرتها وسائل الإعلام المحلية العام الماضي، عن معوزين بولاية داخلية غرب البلاد، وهم يتدافعون زرافات ووحدانا على مخزن جُمّعت فيه المواد الاستهلاكية، ما تزال راسخة في أذهان أصحاب الضمائر الحية، الذين هالهم ما تعرّض له هؤلاء الفقراء من تعنيف وشتم، لا لشيء إلا أنّهم طالبوا بتوزيع إعانة الدولة على مستحقيها، لا منحها لأشخاص ميسورين، اصطفوا على متن مركباتهم الفخمة بلا خجل أو وجل وراحوا يزاحمونهم على “القفة”. حتى أنّ أحد الشيوخ ممّن تحسبهم أغنياء من التعفّف، ذرف الدموع بعد ما شهِد واقعة الإهانة.

قفة رمضان في بلدنا غدت “مِحنة” للأسف يتجرّع مرارتها المعوزون الذين تدمع أعينهم في صمت؛ فمثل هذه الممارسات اللاّ إنسانية، تستدعي اليوم قبل الغد، مراجعة آليات التضامن مع الطبقات الكادحة، وفرض الرقابة على عملية إحصاء المحتاجين الحقيقيين، لقطع الطريق أمام الانتهازيين، مع إشراك الجمعيات الخيرية، التي أصبح البعض منها يضرب أروع الأمثلة في انتشال المحرومين من حياة البؤس والشقاء، ليس في شهر الصيّام فقط وإنّما في سائر الأيّام.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!