-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نظام‭ ‬الحكم‭ ‬وأزمة‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬الجزائر

الشروق أونلاين
  • 3429
  • 0
نظام‭ ‬الحكم‭ ‬وأزمة‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬الجزائر

أذكر ذات يوم كنت بين أستاذين كبيرين من أساتذة السياسة في الجزائر، هما الشيخ محفوظ نحناح – رحمه الله – والأستاذ عبد الحميد مهري – أطال الله عمره -. كان ذلك سنة 1994 في قصر المؤتمرات في لقاء ممثلي الأحزاب مع الرئيس زروال – ذكره الله بخير – في جلسات الحوار الوطني. كان الرجلان يتبادلان أطراف الحديث في شأن أزمة الوطن ويتراشقان الرسائل السياسية بدعابة لطيفة ممتعة تنتمي لجيل الأكابر من الزمن القديم. سمعت من الأستاذ مهري يومذاك عبارة أعددتُها منهجا سياسيا كاملا، قال متأسفا: »إن نظام الحكم يخطئ خطأ جسيما حينما يعتقد‭ ‬بأنه‭ ‬بإضعاف‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬يقدم‭ ‬خدمة‭ ‬للدولة‮«‬‭. ‬حينما‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬حال‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬والمخاطر‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬الدولة‭ ‬اليوم‭ ‬تظهر‭ ‬لنا‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬العبارة‭ ‬بجلاء‭. ‬

  • لا يتصور تماما أن الجزائر بإمكانها أن تخرج من عالم التخلف إن بقي الحال على ما هو عليه، لأن نظام الحكم استنفد حيله في تكرار التجارب بلا نتائج منذ عقود من الزمن بواسطة الرؤية الأحادية الفوقية المكتفية بذاتها المملوءة بالغرور والمسجونة بحساب المصالح الذاتية التي تنظر إلى الطبقة السياسية كعدو لدود إما أن يسحق أو يروض. وبدل أن تتحمل السلطات العمومية مسؤوليتها في الإخفاقات التي تحدث نسمع مسؤولين كبارا في الدولة يُحمِّلون هذه الأحزاب المسكينة سبب الفشل في تطبيق المشاريع الرئاسية والحكومية، ووصل الحال في هذا الاتجاه‭ ‬إلى‭ ‬تحميل‭ ‬منتخبي‭ ‬الأحزاب‭ ‬المسؤولية‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬خرجة‭ ‬لأعلى‭ ‬هرم‭ ‬السلطة‭ ‬بدل‭ ‬محاسبة‭ ‬التنفيذيين‭ ‬وإقالتهم‭ ‬عند‭ ‬فشلهم‭. ‬
  • قد يقول الطيبون والفاسدون المتعاشرون في أزقة الديار السلطانية المغرية، أو الواقفون على أسوارها ليؤذن لهم بالدخول، أو الحارسون لها بلا مقابل بدافع من الشوفينية التي تنام على إنجازات السابقين ولا تطمح للأفضل ولا تكترث بالمستقبل، بأن الجزائر بلد الحرية والديمقراطية، الكلمة الحرة فيها مضمونة، والتعديدية موجودة والانتخابات تنظم بشكل دوري كأي بلد ديمقراطي آخر. لست أدري هل يعلم هؤلاء أم لا بأن الكلمة التي لا تُسمع ولا تؤثر لم يتلفظ بها لسان مهما علت، وأن الانتخابات التي لا تنتج تداولا حقيقيا ولا أحزابا قوية ومستقلة‭ ‬ولا‭ ‬ملاحقةً‭ ‬للفساد‭ ‬صارمة،‭ ‬انتخابات‭ ‬صورية‭ ‬لا‭ ‬تعلو‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬خطابات‭ ‬الذين‭ ‬تخدمهم‭.‬
  • ليست الجزائر بلدا عاقرا لا يقدر على ولادة الأحزاب والشخصيات الكبيرة، فقد فعلت ذلك وهي تحت الاحتلال فأنتجت طبقة فكرية وعلمية وسياسية من كل التيارات لا مثيل لها. وخرّجت من نضالات ما بعد الاستقلال في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وجوها بكل الألوان قل نظيرها، ولكن مسار السياسة منذ انتخابات 1991 أفسد الموجود وعطل ولادة الوافد الجديد. حينما توجه أغلب الناخبين إلى انتخاب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، لم يكن يدفعهم سوى أنهم رأوا في ذلك الحزب قوة إسلامية قادرة على معاقبة المفسدين، ويعبر عن هويتهم وطموحاتهم المادية. وحينما ألغيت الانتخابات وحل الحزب الفائز ظن الناس بأن سبب ذلك هو تشدد قادة الحزب المحل فتوجهوا في انتخابات الرئاسة سنة 1995 لاختيار مرشح إسلامي معتدل لا يوجد بينه وبين نظام الحكم صدام يذكر، إصرارا منهم على التغيير والتمكين للاتجاه الإسلامي.
  • وحينما زُوّرت تلك الانتخابات الرئاسية قدّروا بأن الطموح للرئاسة ربما كان أكثر من المتاح في تلك الظروف فصوتوا مرة أخرى لأحزاب المعارضة وخصوصا الإسلاميين في تشريعيات سنة 1997. بعد أن زُورت تلك الانتخابات والانتخابات المحلية التي تبعتها في نفس السنة قرر جموع الناس ألا يعودوا إلى الصناديق في موقف جماعي حكيم يُذكرنا بتحليل الأستاذ مالك بن النبي للحكمة العظيمة التي تنطوي عليها اختيارات الجماهير حينما تكون في اتجاه واحد. بعد هذا الموقف السياسي الجماهيري الكبير لم يصبح من أحد يهتم بالانتخابات سوى القوى الناخبة المرتبطة بالأحزاب المتنافسة ومرشحيها ومناضليها، وفي هذه المواجهة تكون الغلبة دائما للمرشحين الذين يمثلون السلطة الحاكمة. نتج عن هذه المنافسة ديمقراطية آمنة مرضية للنظام يتحكم من خلالها في دواليب المجالس المنتخبة كلها وما ينتج عنها من هيئات تنفيذية. غير أن هذا السلوك أدى إلى إضعاف شديد لمؤسسات الدولة التي أصبحت بلا إبداع ولا مصداقية بسبب غياب التدافع المعبر عن موازين القوة الفعلية في المجتمع. انتقل هذا الضعف الشديد إلى الأحزاب ذاتها، حيث صارت إطاراتها وقياداتها لا ترى أفقا واعدا للنضال السياسي فانغلق بعضهم على ذاته، وتشدّد بعضهم في توجهه، ويئس بعضهم من إمكانية التغيير بواسطة الأحزاب فتركها وانشغل بنفسه، ولكن الأخطر من ذلك هو بروز طبقات قيادية انتهازية داخل الأحزاب تحوّل الحزب بالنسبة لها إلى فرصة لتلبية الطموحات الشخصية والترقية الاجتماعية، وبما أن المُتاح من المنافع التي تركها نظام الحكم للأحزاب قليلٌ صار الصراع داخل هذه الأحزاب شديدا أدى إلى انشقاقات لم يسلم منها تيار من التيارات، لم نسمع بأن واحدا من هذه الانشقاقات كان على أساس فكري أو سياسي.
  • وفي ظل هذه الثقافة الانتهازية الجديدة استطاعت السلطة المتغلبة المحتكرة للقوة والثروة أن تلاحق الأحزاب التي صنعت مجد الحياة السياسية الجزائرية سابقا فسرقت منها قياداتها ورجالها الأكفاء إذ ألحقتهم بها فصاروا أحرص على نظام الحكم من حرصهم على أحزابهم. ولم يسلم من ذلك لا الأرسيدي ولا الفيس ولا ما بينهما. ومع ضياع مصداقية مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية وتكالب إطارات الأحزاب عليها نشأت أزمة أخرى داخل الأحزاب تتعلق بتراجع النضالية لدى المناضلين البسطاء الذين قادهم فهمهم لواقع العملية السياسية والانتخابية بأنهم حينما يناضلون في أي انتخابات من الانتخابات لا يفعلون ذلك لنقل كفاءة جزائرية لهيئة من الهيئات الرسمية تساهم في إصلاح أوضاع دائرتها الانتخابية وبلدها بما يرجع بالفائدة على الجميع، وإنما هم يفعلون ذلك لترقية واحد منهم كان مثلهم في راتبه ومعيشته ثم يصبح »مرفّها« أقصى شيئا يفعله لهم بعد نجاحه – إن كان صالحا – أن يبقى متواضعا أو أن يقدم لهم خدمات، إذا قدر أن يمنحها لواحد حُرم منها ألف. وبما أن الأمر هكذا، لا فرق بين رداءة وكفاءة في المجالس المنتخبة. وحتى الوزارات في الزمن الجديد، صار فيه الطموح والتطلع للمسؤولية لا‭ ‬ضابط‭ ‬ولا‭ ‬حد‭ ‬له‭. ‬
  • نقل الصراع إلى أدنى درجات الهياكل الحزبية وتحولت الاختلافات من مستوياتها العليا إلى مستوياتها الدنيا ولم يصبح في اصطكاكها قدوة يقول كلاما لغيره فيُسمع والعياذ بالله. ولما غابت المرجعيات بعزوف الصالحين عن العمل السياسي وقلة صبرهم وبتصدر أصحاب الجرأة والجلد في المنافسة والاصطراع نزلت في الساحة أخلاق سياسية جديدة عمقت أزمة الأحزاب وويلاتها، أدناها التكتلات بمختلف أنواعها وأعلاها المال السياسي والعلاقات المشبوهة وشراء الذمم والترهيب والترغيب لإسكات الأصوات الحرة وكسب التأييد للمشاريع الشخصية والفئوية والجهوية التي‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأحوال‭ ‬تتقاطع‭ ‬مع‭ ‬سرايا‭ ‬الحكم‭ ‬والساكنين‭ ‬في‭ ‬دهاليزه‭ ‬المختلفة‭ ‬الذين‭ ‬يستغلون‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬لصالحهم‭ ‬وليس‭ ‬لصالح‭ ‬الدولة‭ ‬ذاتها‭. ‬
  • لا شك أن القارئ لأزمة الأحزاب يدرك بأن الخرق أوسع مما يقدر عليه الراقع، وأن الحلول الجزئية لإصلاح الأحزاب غير مجدية، وأن الحل كل الحل، في تحقيق التوازن بين المجتمع الذي تسكنه أحزاب ضعيفة والدولة التي يسكنها نظام مُتغول. فالمسألة مسألة ميزان بين هذا وذاك، لا يصلح الأمر إلا بوقف تغوّل نظام الحكم وتدخله التعسفي  في الترجيح بين الأحزاب والانتقال إلى حياة ديمقراطية حقيقية ينفتح فيه الأفق السياسي ويشعر فيها أعضاء وقيادات كل الأحزاب بأن الوصول للحكم لتطبيق برامجهم وتحقيق طموحاتهم ممكن من خلال الصندوق والتنافس النزيه على الأفكار المشمول بنزاهة الرجال وكفاءتهم. هذا هو المشروع الوطني الكبير الذي سيصلح البلد ولئن كانت الوطنية في زمن الاحتلال الفرنسي هي الجهاد ضد العدو المستعمر، والوطنية في زمن الأزمة الوطنية هي الكفاح من أجل استقرار الوطن وثبات مؤسسات الدولة، فإن الوطنية‭ ‬اليوم‭ ‬هي‭ ‬النضال‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الإصلاح‭ ‬السياسي‭ ‬السلمي‭ ‬بنفس‭ ‬مقدار‭ ‬الاستعداد‭ ‬للتضحية‭ ‬في‭ ‬زمنيِ‭ ‬الاحتلال‭ ‬والأزمة‭ ‬الوطنية‭.
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!